ترجماتحريةمقالات جلوبال فويس

ارتفاع وتيرة التضييق على الناشطين على الإنترنت في لبنان

قامت الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة بتكثيف الاعتقالات من أجل الاستجواب، والرقابة على الناشطين على الإنترنت والصحفييّن على مواقع التواصل الاجتماعي، مثيرةً النقاش مجدّدًا حول حدود حرّيّة التعبير في البلاد.

خلال الأسابيع القليلة الماضية، تمّ استجواب 10 ناشطين على الأقلّ من قِبَل الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة، ثمانية منهم من قِبَل مكتب جرائم الإنترنت التابع لقوى الأمن الداخلي، بسبب منشورات على موقعي فيسبوك وتويتر. مقارنةً بـ 18 شخصًا استدعتهم الوكالة في ستّ سنوات بين 2010 و 2016 ، وفقًا لبحث أجرته منظمة تبادل الإعلام الاجتماعي، وهي منظّمة محلّيّة غير حكوميّة تعمل في مجال سياسة الإنترنت.

رغم أنّ القانون اللبناني يضمن حماية حرّيّة التعبير وحرّيّة الصحافة، فإن إهانة الرئيس أو الجيش اللبناني أو الدين أو العَلَم يمكن أن يؤدّي إلى عقوبة السجن لثلاث سنوات وغرامات باهظة. كما تمّ استخدام قوانين التشهير والقذف على نحوٍ متزايد من قبل السياسيين وممثّلي الشركات الكبرى لاستجواب النشطاء وملاحقتهم ومواجهة الخطابات الناقدة لهم على الإنترنت.

في معظم هذه الحالات شمل موضوع المشاركات المسيئة دعوات لحملات عبر الإنترنت، أو نكات وتعليقات ساخرة حول شخصيّات دينيّة، وانتقاد مزعوم للرئيس وغيره من السياسيين.

ثلاث حالات حديثة تهدد حرية التعبير في لبنان
عماد بزّي
وفي 17 تموز/يوليو، استُدعي الناشط والمدوّن عماد بزّي للاستجواب من قبل المكتب على خلفيّة مطالبته بنشاط على الإنترنت ضد منتجع لانكاستر إيدن باي المثير للجدل. وقد تعرّض مشروع تطوير شواطئ البحر لانتقادات شديدة بسبب طريقة إنشائه وافتتاحه المشكوك فيها قانونيًا، بالاستناد للقانون اللبناني الذي حدّد الشواطئ كأراضٍ عامّة.

وبعد تأجيل الاستجواب في البداية لإجراء عمليّة جراحيّة، تمّ استدعاء بزّي مرّةً أخرى وحضر استجوابه في 27 تموز/يوليو، رافضًا توقيع تعهّد بعدم انتقاد إيدن باي مرّةً أخرى، حسب ما أخبر به قناة الأخبار المحلية إل بي سي آي (LBCI).

وقال اللواء ألبرت خوري، رئيس مكتب الجرائم الإلكترونية، للقناة أنّ بزّي قد استُدعي بناءً على شكوى قدّمها ممثّلو المنتجع الذين زعموا أنّه تسبّب في أضرار غير مباشرة لسمعته. وكان بزّي قد اقترح على متابعيه نشر مراجعات سلبيّة للمنتجع على الإنترنت، في ما وصفه أيمن مهنّا، مدير شركة سكايز، بأنّه نشاط شرعي عبر الإنترنت.

محمد عوّاد
اعتُقل الصحفي محمد عوّاد واستجوبه الأمن العامّ في 20 تموز/يوليو بسبب ما تردّد عن نشره على موقع فيسبوك لنقدٍ للسياسييّن والزعماء الدينييّن.

ونقلت صحيفة ديلي ستار عن عوّاد قوله أنّ المسؤولين يشملون الرئيس ميشال عون ورئيس المجلس الشيعي الأعلى والمفتي العامّ السنّي والبطريرك الماروني. وادّعى عوّاد أنّه لم يتناول أياً من هؤلاء المسؤولين في منشوراته الأخيرة ، وقال أنه لم يتم إبلاغه بالمنشورات التي استُجوِب بسببها بالضبط، ولم يتمّ إطلاعه على الجهة التي قدّمت الشكوى ضدّه.

وقد عبر عواد عن رأيه بالموضوع قائلاً: “إن مواقع التواصل الاجتماعي هي منابر الحرّيّة المتاحة لنا. إذا كانت هذه المواقع تضايقهم فليغلقوا الإنترنت في كلّ البلاد”.

خالد عبوشي
في 24 تموز/يوليو، استجوبت المخابرات اللبنانية خالد عبوشي مستخدم فيسبوك بسبب نشره صورة تظهر الرئيس عون وصهريه جبران باسيل وشامل روكز، وهما سياسيّان بارزان، إلى جانب صورة للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وابنيه باسل والرئيس الحالي بشار الأسد. عبوشي علّق على هذه الصورة

ما الفرق؟

قال عبوشي لـ “سكايز” إنّه تعرّض للضرب عند اعتقاله واحتُجز لمدّة يومين، ولم يُطلق سراحه إلا بعد توقيعه على تعهّد بعدم انتقاد عون أو باسيل مرّةً أخرى.

إنّ إجبار الناشطين على التوقيع على هذه التعهّدات من قِبَل المحقّقين في مكتب الجرائم الإلكترونية لا يستند إلى أيّ أساسٍ قانونيّ.

الوكالة الجديدة والقوانين القديمة

يعد مكتب الجرائم الإلكترونية التابع لقوى الأمن الداخلي الجهة التي يتمّ من خلالها تنفيذ معظم هذه الاستجوابات. وقد تأسّس المكتب في عام 2006 لتعزيز القدرات الأمنيّة للدولة اللبنانية على الإنترنت. وأثار مكتب الجرائم الإلكترونية جدلًا حول تطبيقه التعسّفي الواضح للقوانين القديمة التي تعود إلى قانون العقوبات لعام 1943.

يتمّ استجواب العديد من النشطاء بناءً على المادتين 473 و 474 من ذلك القانون، والتي تقول إنّ أيّ شخص “ينتقص” من اسم الله أو الدين يمكن سجنه لمدة تتراوح بين شهر واحد وعدّة سنوات.

في آذار/مارس 2016 صدر تقرير عن مركز سمير قصير للإعلام والحرية الثقافية (سكايز – SKeyes)، وهو منظّمة لبنانية غير حكوميّة تركّز على حرّيّة التعبير، قال أنّ سلوك الوكالة غالباً ما يرقى إلى الرقابة على حرّيّة التعبير.

يتناول التقرير كيفيّة استخدام القانون الجنائي من قِبل الوكالة لاستهداف المنشورات على الإنترنت، ويُلاحظ ما يلي:

يتمّ تطبيق القانون عبر الإنترنت، حيث تتمّ مضاعفة انتشار خطابات القذف والتشهير ملايين المرّات حرفيَا، وأيّة مشاركة أو تعليق عبر الإنترنت يمكن اعتبارها تشهيرية إذا كان صاحب الشكوى قد نبّه قوات الأمن الداخلي وكان قويًا بما يكفي.
[…]
على الرغم من أنّ لبنان ليست لديه قوانين صريحة أو مستقلة لمكافحة جرائم الإنترنت أو مكافحة الإرهاب، إلاّ أنّ موادّ مكافحة التشهير تحقّق غرضًا مشابهًا باستهداف النشطاء والمعارضين بشكلٍ مباشر وباستخدام هذه القضايا كعبرة لإخافة الآخرين من الصحفيين على الإنترنت والمدوّنين ومستخدمي الإنترنت، بحيث يمتنع هؤلاء من التحدّث عن مواضيع معيّنة، ممهدين الطريق بذلك للرقابة الذاتية وتجميد النقد.

ويقدّر تقرير سكايز أنّه خلال العامين الماضيين زادت الاعتقالات التي استهدفت النشطاء والصحفيين ثلاثة أضعاف من 10 في السنة إلى 30. وتقول جماعات حقوق الإنسان أنّ دور الرقابة في المكتب كان واضحًا بشكلٍ خاصّ في الأسابيع الأخيرة، حيث تم اعتقال مجموعة من النشطاء، وأجبروا على حذف المشاركات والتوقيع على تعهّدات بالامتناع عن نشر محتوى “افترائي” مرّة أخرى، وفي إحدى الحالات، تم منعهم من النشر عبر الإنترنت لمدة شهر.

وقال جاد شحرور من مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية في بيروت لقناة الجزيرة أنّ استهداف الحريات في لبنان تزداد وتيرته منذ وصول الرئيس ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية في تشرين الأول /أكتوبر 2016. وأنّ 60% من طلبات الاستدعاء إلى التحقيق أتت بسبب شكاوى من فريق عون والتيار الوطني الحر، الذي يتمتع بأكبر كتلة في البرلمان.

تمّ احتجاز الناشط على الإنترنت والممثل الكوميدي شربل خوري لفترة وجيزة في 20 تموز/يوليو بسبب نكتة ساخرة حول المعجزات الطبّية التي قام بها القدّيس شربل، وهو شخصية دينية يحترمها الكثيرون في لبنان. وتم إطلاق سراح الناشط بعد توقيعه على تعهّد بعدم انتقاد الدين في مشاركاته وإيقاف حسابه على فيسبوك لمدّة شهر. وقد رفعت الشكوى ضد خوري منظّمة دينية هي مركز الإعلام الكاثوليكي، حسب ما ذكرت صحيفة ديلي ستار.

وفي قضية ذات صلة، استُجوبت الصحفيّة في جريدة “الأخبار العربية” اليومية الناطقة باللغة العربية “جوي سليم”، بسبب نكتة كتبتها في موقع “خوري”، وكتبت في صحيفة “الأخبار” اللبنانية عن ما وصفته بتجربة “بائسة” على يد السلطات:

لم يكن ينقص التحقيق معي في مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية إلا كاهناً ومذبحاً. أخذ الضباط في قوى الأمن الداخلي الذين حققوا معي على عاتقهم محاولة إعادتي إلى طريق الخلاص المسيحي. من أول الأسئلة التي طُرحت عليّ في التحقيق الذي استمرّ خمس ساعات، هو إذا كنت «معمدّة» (حاصلة على رتبة العماد)، إذ يبدو برأيهم أن أحداً لا يكتب نكتةً في موضوع ديني، إلا إذا كانت تسكنه «أرواحٌ شريرة».

غضب شعبي عارم

في 24 تموز/يوليو تمّ استدعاء اثنين من النشطاء في نفس اليوم الذي نظّم فيه المئات احتجاجات في وسط بيروت ضدّ الحملة المتزايدة على النشر عبر الإنترنت، تحت شعار “ضد القمع”.

ونقلت صحيفة “ديلي ستار” عن مريم مجدولين إحدى المنظّمين، قولها “لقد نشأتُ في عائلةٍ كنّا نتحدّث فيها كيف أنّ جميع الكتّاب العرب الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد كانوا يلجؤون إلى بيروت “.

لا يمكنك أن تربّينا على عقليّة الحرّيّة ثم تحاول قمعنا.

تمّ نشر هذه المقالة في الأصوات العالمية بتاريخ 19-8-2018

 

الوسوم

اترك تعليقاً

إغلاق