مدونة ملحوظة

مدوّنة شخصيّة لـ راغب بكريش تحوي مقالات إحصائيّة وتربويّة وترجمات

هل الرياضيات اختراع أم اكتشاف؟ سابقة أم لاحقة للوجود الإنساني!
أراجيك الرياضيات المتقدمة

هل الرياضيات اختراع أم اكتشاف؟ سابقة أم لاحقة للوجود الإنساني!

ناقشنا في مقالٍ سابق السؤال “ما أهمّيّة الرياضيات البحتة؟” وقد توصّلنا إلى أنّ الحياة بشكلها الحالي ستكون مختلفة جذريًّا عمّا ستكون عليه لو لم يدرس الإنسان الرياضيّات البحتة، عدا عن المتعة الذهنية الكبيرة التي يشعر بها علماء الرياضيّات والدارسون للرياضيّات من أجل الرياضيّات، وهذا أوصلنا إلى سؤالٍ جوهريّ وهامّ هو “هل اخترع الإنسان الرياضيّات أم اكتشفها؟”.

الفرق بين الاكتشاف والاختراع

بدايةً علينا معرفة الفرق بين الاختراع والاكتشاف، حسب تعريف جامعة برلين الحرّة، فالاكتشاف يتعلّق بشيءٍ كان موجودًا بالفعل في وقت الاكتشاف، ولكنه لم يكن معروفًا من قبل، ويمكن القول إنّ الاكتشاف هو الوصف الأوّل لقانون طبيعي، ويمكن ملاحظة أنّ أثر الاكتشاف المباشر ينحصر في زيادة المعرفة الإنسانيّة.

أمّا الاختراع فهو ابتكار شيء جديد تمامًا بأفكاره وتطوّره، وتميل النظرة العامّة في العصر الحالي لحصر مفهوم الاختراع بالأشياء الملموسة وعدم الاعتراف بالاختراعات النظريّة وإلّا فإنّه لزامًا علينا أن ننسب اختراع الطائرة والمروحيّة والمظلة لدافنشي الذي رسم تصاميم لهذه الأشياء قبل اختراعها الفعلي، لكن يندرج في إطار الاختراعات كلّ ما نراه اليوم من تقنيات تشمل الاتّصالات والبرمجيّات رغم أنّنا لا نستطيع إمساك الشيفرة البرمجيّة أو أمواج الواي فاي.

بناءً على ما سبق فإنّ الكهرباء اكتشاف، لكن المصباح الكهربائي اختراع، فالكهرباء موجودة مذ تكوّنت الذرّات، لكن كان على شخصٍ ما أن يحكّ الصوف بالكهرمان ليكتشف أنّ الكهرمان قد جذب الريش، فكلّ من الكهرمان والريش والصوف بما فيها مكوّناتها الذرّيّة وتحت الذريّة موجودة وكانت تتجاذب وتفرغ شحناتها عند توفّر الظروف الملائمة، ولم تغيّر معرفتنا بهذا القانون الطبيعي من طريقة سير الطبيعة، لكن زادت معارفنا، معارفنا التي ستتراكم مئات السنين ويأتي في النهاية أديسون ليقدّم المصباح الكهربائي، الذي ركّب القوانين الطبيعيّة بطريقة لم تكن موجودة سابقًا داخل منظومة أدّت لتوهّج المصباح.

كم ديناصورًا لديك؟

ولنأتي للرياضيّات فإنّ الإجابة تعتمد على فكرتنا حول المفاهيم الرياضيّة؛ فيعتقد البعض أنّ المفاهيم الرياضيّة بمثابة الأدوات التي أنشِئت استجابةً للتعامل مع الأسئلة التي لم تُحلّ بعد، كما اختُرع المحراث الذي كان ضروريًا لحلّ مشكلة تهوية التربة، بينما يرى آخرون أنّ الرياضيات حقيقة موجودة مسبقًا بغضّ النظر عمّا إذا كنّا نرى ذلك أم لا، أي لم يخترع علماء الرياضيات الحلول للمشكلات بل كانوا يكتشفونها فقط، مثل اكتشاف الإنسان للزراعة.

في الحقيقة أنا أميلُ للفكرة القائلة بأنّ النماذج الرياضية موجودة على كوكبنا قبل ظهور الحياة عليه بل قبل تشكّل الكرة الأرضية؛ فعندما كانت الشمس وكواكبها مجرّد سحابة من الغبار والغاز، تطوّرت النجوم والمجرّات والكواكب الأخرى وكوّنت تشكيلات وتحرّكات وفق مبادئ الهندسة البسيطة والأشكال الهندسية التي نعرفها اليوم؛ فكانت تتحرّك المجرّات وداخلها النجوم والكواكب عبر مسارات بشكل قطوع ناقصة يمكن التعبير عنها بمعادلات تعلّمناها في المرحلة الثانوية، وكانت تمتلك بعض المجرّات أشكالًا لولبيّة يمكن تمثيلها بمعادلات لوغاريتمية، كما امتلكت كلّ الأجسام تلك كتلًا وحجومًا يمكن حسابها بقوانين حجم الكرة وما شابهها.

ويذكر العلماءُ أيضًا مثالًا طريفًا وهو أنّه عندما كانت الكرة الأرضية في الطرف الآخر من مجرّة درب التبّانة أي منذ حوالي مئة مليون عام، انضمّ ديناصورٌ إلى مجموعة من ثلاثة ديناصورات فأصبحوا أربعة ديناصورات، وأثناء لعبهم أطلّ عليهم تيريكس عملاق يريد تناول أحدهم على الغداء، فركضت المجموعة، ديناصوران اثنان في كلّ اتّجاه، ولا نعرف ما الذي حصل فيما بعد لأنّ راوي القصّة قال إنّ 1+3 يساوي 4 و 4/2 يساوي 2 سواءٌ أنجز هذه العمليات الحسابية إنسانٌ ما أم لم ينجزها، أي أنّ هذه العمليات الحسابية كانت موجودة وصحيحة قبل أن يوجد الإنسان.

طالما الأمر بهذه البساطة والوضوح، لماذا كلّ هذا الجدل إذًا؟

يتحمّل القاموس الذنب الأكبر بهذا الخصوص، لأنّه عرّف الرياضيّات بإنّها “علمٌ مجرّد ينتج عن الاستنتاجات المنطقية المطبّقة على كائنات مختلفة كالمجموعات والأعداد والأشكال”، حيث تتركّز الإشكاليّة في كلمة “الاستنتاجات” ومعلومٌ أنّ الاستنتاجات المنطقيّة لا يقوم بها إلا البشر، وهذا يؤدّي بالضرورة للاعتقاد بأنّ الرياضيّات منتج عقلي بشري بحت شأنها شأن الفلسفة.

لكن ماذا بشأن إنسان الكهف الذي استخدم العدّ والعمليّات الأربعة، كجمع الغنائم بعد رحلة صيد وتقسيمها إلى حصص تتناسب ربّما مع الجهد المبذول أو مع رتبة الفرد ضمن مجموعته.

بالتأكيد فإنّ إنسان ذاك العصر لم يعرف الاستنتاج المنطقي أو الاستقراء الرياضيّ، وتبقى هذه الأمور مبادئ حسابيّة بسيطة، والحساب برمّته هو جزءٌ صغيرٌ جدًا من الرياضيّات ولا يمكننا تقزيم الرياضيّات لتصبح عدًّا وجمعًا وطرحًا فحسب.

ماذا بشأن الرياضيات الحديثة؟

لا يخفى على أحد أنّ بعض موضوعات الرياضيات، لا سيّما الموضوعات التي تعتمد على استخدام أنظمة العدّ هي بلا شكّ من اختراع الإنسان ولو أنّها شيءٌ ثابت في الطبيعة لما استخدمت بعض الحضارات النظام الستيني وبعضها الآخر النظام العشري، علاوةً على الكثير من أنظمة العدّ الحديثة الأخرى، لكن لا تعتمد أغلب موضوعات الرياضيات على هذا النوع من الإبداع البشري، بل كانت الرياضيات موجودةً قبل اكتشافها واستخدامها من قِبل البشر، ولنأخذ مثلًا نظرية فيثاغورس، فعلى الرغم من ارتباطها بعالم الرياضيات اليوناني فيثاغورس لكنّها كانت قد اكتشفت مرّات عديدة مستقّلة من قِبل حضارات مختلفة ويُرجّح أنّ أولها كان في الصين، ولو دمّر نيزكٌ الحياة على أرضنا، فسوف تُكتشف نظرية فيثاغورس في المستقبل مرّة أخرى، بل أكثر من ذلك لو وُجدت صورةٌ أخرى من صور الحياة الذكيّة على أحد الكواكب البعيدة، فعلى الأغلب أنهم قد اكتشفوا أن مجموع مربّعي طولي الضلعين القائمتين في المثلث القائم يساوي مربع طول وتر ذاك المثلّث.

هذا يقودنا للتساؤل التالي “أين نجد الرياضيات في حياتنا؟” والذي سنجيب عنه في مقالنا القادم.

نُشر هذا المقال في أراجيك بتاريخ 02.06.2020

مدرّس رياضيّات مدوّن سوري