حلب: ليست مجرد حجر.. بل كود بصري لم يُفك تشفيره بعد
لطالما تعاملنا مع التراث الحلبي كقطع من “الأنتيكا” التي تُعرض في المتاحف أو تُذكر في قصائد الحنين المملة. لكن الحقيقة أن حلب ليست مجرد مدينة نسكنها، بل هي نظام تشغيل بصري (Visual Operating System) متكامل، نسينا “كلمة السر” الخاصة به وسط زحام الحداثة البلاستيكية.
في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو ذكاء اصطناعي يفتقر للروح، تخرج “حركة الفن الشعبي الحلبي” لتقول إن المستقبل لا يبدأ من الصفر، بل من تلك الزخرفة “القيشانية” المنسية على باب بيت عتيق في حي “الجلوم”.
من “الترجمة الجمالية” إلى “الأصول الرقمية”
المشكلة في فهمنا للتراث هي “العاطفية المفرطة”. نحن نحب التراث لأننا “نحن”، لا لأننا نفهمه. “حركة الفن الشعبي الحلبي” -التي أسستها بيان- قررت تجاوز مرحلة “البكاء على الأطلال” إلى مرحلة “رقمنة الأطلال”.
الفكرة هنا ليست مجرد التقاط صور جميلة للإنستغرام، بل هي عملية “هندسة عكسية” للفن. تحويل الرموز التي نحتها الأجداد بعفوية وعبقرية إلى أصل رقمي (Digital Assets) بجودة عالية. هذا هو الفرق بين من يحفظ التراث في “الفريزر” وبين من يعيد ضخه كدماء جديدة في شرايين التصميم المعاصر.
لماذا نحتاج إلى “أبجدية حلبية” رقمية؟
إذا نظرنا للأمر بمنطق إحصائي وعملي، سنجد أن المصمم السوري (والعالمي) غالباً ما يلجأ لزخارف جاهزة “مستوردة” لأنها متاحة رقمياً. غياب “المرجع الرقمي” للفن الحلبي جعل هويتنا البصرية تتشوه أو تذوب.
هنا تكمن عبقرية المشروع في ركائزه:
- التوثيق الميداني: ليس بحثاً مكتبياً، بل “نزول للشارع”. الحقيقة موجودة على الجدران، وفوق الشبابيك وفي ثنايا الأبواب.
- الأرشفة المفتوحة: إتاحة المحتوى للجميع. فالعراقة لا تعني الاحتكار، بل الانتشار.
- تجسير الفجوة: ربط جيل الخبرة (الذي يملك الأسرار) بـجيل الشباب (الذي يملك الكيبورد).
الموقع الإلكتروني
أكثر من مجرد واجهة (arts.sy) ليس معرض صور، فهو منصة تفاعلية حقيقية، هو المكان الذي تتحول فيه زخرفة حجرية من القرن السابع عشر إلى عنصر أساسي في تصميم تطبيق موبايل أو هوية بصرية لشركة في القرن الواحد والعشرين، وفيه تجد الإعلانات عن النشاطات ومقالات ثقافية وغيرها.
حركة الفن الشعبي الحلبي لا توثق الماضي، بل تصنع “عدة الشغل” للمستقبل. فإذا كنت تبحث عن الأصالة بعيداً عن كليشيهات “الحنين”، فالمكان يبدأ من هنا.


