ملحوظات سياسية

النظريّة الثالثة في هدم الأوطان

عندما درس نيوتن رحمه الله الرياضيّات و الفيزياء لم يخطر له يوماً أنّ فتىً كأينشتاين سيطيح بأعماله و نتاج سنوات مراقبة التفاح بعدّة ورقات فقط أسماها النسبيّة، و لأنّ أينشتاين ملهمي في تفكيري و دراستي قرّرت الإطاحة بنظريّة هدم الأوطان الأولى و هي الطائفيّة و العنصريّة بشكل عامّ، و نظريّة هدم الأوطان الثانية و هي الفساد و هي النظريّة الأكثر رواجاً الآن و لا تحتاج إلى إثباتات فكلّ صغير و كبير يتقن الفساد و يؤمن به منهجاً لنجاحه في الحياة، لكنّي وجدت أنّ هذه النظريّة لم تعد الأشمل فقد حلّ محلّها في بلادنا نظريّة أسميتها “كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في هدم الأوطان” هما (شو بدّي) و (حرام) و كي تفهم جيّداً سأروي لكم حكاية اكتشافها، لي صديق يسكن في الطابق الأوّل و يوماً ما خطر ببال جاره تحته أن يفتح دكاناً من منزله فشرع يهدم و يقطع الأشجار و خرج بمحلّه إلى الشارع و لم يتلقّى إلا المباركات و التهاني إلى أن خطر بباله أيضاً أن يرفع سقف دكّانه و هنا حجب الضوء و الهواء عن صديقنا فتوجّه صديقنا إلى البلديّة مشتكياً لإزالة المخالفة و عندما أبلغه الموظّف أنّ البلديّة جاهزة للهدم في أي وقت يريده توقّف و سحب الشكوى فسألته لماذا قال بلهجة حلب (خْطَي) أي (حرام) سألت ما هو الحرام؟ قال لقد تكلّف مبالغاً طائلة للديكور و البناء و حرامٌ هدرها، فسألت من باب الفضول و ما رأي بقيّة الجيران؟ قال كلّ واحدٍ يقول (إش بدّي) أي (لا علاقة لي) فأنا في بيتي في الطابق العلوي و لا يعيق الدكان هوائي و لا ضوئي.
و كذلك نسمع هذه الكلمات كلّ يوم عشرات المرّات، نمرّ من فوق حفرة ذات حوافّ قائمة في الشارع و لا ينطق أحد بكلمة فالكلّ يقول (أشو بدّي)، نرى القمامة تملأ الشارع و نقول (أشو بدنا)، نرى أنابيب المياه مكسورة تهدر الماء و نقول (أشو بدنا)، نرى بائع دخّان يحتلّ نصف الرصيف هو و حثالته فنقول (خْطَي حرام عندو عيلة)، يضرب الأخ أخته بجرّة فخّار و يشقّ جبهتها بجرح طوله عشر سنتيمترات و تنزف نصف كيلو دمّ و تذهب للمشفى وحيدةً لتعالج نفسها ثمّ تجبرها أمّها أن تسقط دعواها ضدّه لأنّه (خْطَي أخوك) …
و بين (إش بدّي) و (خْطَي) يبقى المتسيّب متسيّباً و نشجّع المخطئ ليزداد في خطئه، بل و نمهّد الطريق ليُخلق أناسٌ انتهازيّون يقولون (بدّي) نعم (بدّي إنهب، بدّي إسرق…) و يقولون (خليهم مستاهلين، الله لا يقيمهن، ألف أمّ تبكي و لا أمّي تبكي…).®
——————
05/نيسان/2009

 

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً