أخبار

أين يذهب العطس؟

من خلال تصوير عالي السرعة، تقوم عالمة الرياضيات ليديا بورووِيبا بتحليل ماهية العطس والسعال، واستكشاف كيفية انتشار الأمراض.

وبالنسبة إلى بورووِيبا ـ عالمة الرياضيات وديناميكا الموائع ـ تُعتبر تلك العطسة من الغنائم، حيث تقوم بورووِيبا وفريقها ـ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا “MIT” في كمبريدج ـ بتسجيل أدقّ تفاصيل ما يحدث بعد العطسة، وهو ما يشبه الانفجار؛ وذلك باستخدام كاميرا واحدة، أو اثنتين أحيانًا؛ لالتقاط آلاف الصور كل ثانية. وعند إعادة تشغيل الفيديو بالتصوير البطيء، يظهر ما يشبه انفجارًا عنيفًا من خليط من اللعاب والمخاط، يُقذف إلى خارج الفم على هيئة ألواح تتفتَّت إلى قطرات تَعْلَق في سحابة مضطربة.

تقول بورووِيبا إن هدفها من هذا العمل هو الاستدلال بالفيزياء والرياضيات؛ لتفسير ظواهر متعلقة بعلوم الأوبئة والصحة العامة. فعِنْد محاولة احتواء انتشار الأمراض، “نود أن نعطي توصيات مبنيَّة على أسس علمية، وتم اختبارها في المعمل”، كما تقول. ومن الناحية العملية، قد تؤدي تلك الرؤى إلى رسم خرائط؛ لتوضيح مخاطر التلوث في المناطق المحيطة بالأشخاص المصابين، واستخدام معدات وقائية مُثْلَى؛ لحماية العاملين في المستشفيات من أنواع معينة من الجراثيم، ووضع توقُّعات أدَقّ حول كيفية انتقال الأمراض وسط المجموعات السكانية.

مهنة في مجال الموائع
تتذكر بورووِيبا أنها كانت تهوى استكشاف الطبيعة منذ طفولتها. ففي صغرها، عندما كانت تعيش في فرنسا، كانت تحيط نفسها بالكتب المتعلقة بالعلوم والطبيعة، وكذلك السيرة الذاتية لألبرت أينشتاين. وسرعان ما وقعت في حب الرياضيات والفيزياء، واختارتهما كمادّتيها الرئيستين أثناء دراستها للحصول على درجة البكالوريوس في فرنسا، وفي مدينة مونتريال في كندا.

بعد مسار طويل، أكملت بورووِيبا رسالة الدكتوراة في ديناميكا الموائع؛ وحصلت على الدرجة في عام 2008، وتمكنت بعد ذلك من أن تحصل على وظيفة كباحث ما بعد الدكتوراة في علم رياضيات الأوبئة بجامعة يورك في تورونتو بكندا، حيث بدأت التفكير في رذاذ العطس والسعال.

هذه “الأحداث الزفيرية العنيفة” ـ كما أسمتها بورووِيبا في إحدى أوراقها البحثية ـ كانت تُعتبر إحدى السبل الرئيسة التي تنتشر عن طريقها أمراض الجهاز التنفسي، لكن كيف يحدث ذلك تحديدًا؟ تُقَدِّر الدراسات الوبائية كيفية انتقال مرض ما بناء على تحرُّكات الناس وأنشطتهم وقت إصابتهم بالعدوى. فهل التقطوا العدوى عن طريق اتصال مباشر بالشخص المصاب، مثل مصافحة مريض بيده المغطاة بالجراثيم، أو عن طريق ملامسة أسطح ملوثة، مثل مقابض الأبواب؟ أم انتقلت العدوى عبر قطرات كبيرة انتقلت إلى مسافة قصيرة من جهاز تنفسي إلى آخر؟ أم عبر حبيبات رذاذ أصغر حجمًا عالقة في الهواء، وتستطيع الانتقال إلى مسافات أبعد، قبل أن يستنشقها شخص ما؟ أم كانت العدوى نتاج مزيجٍ من كل تلك السبل؟

ساعدت مثل تلك الدراسات الباحثينَ على التوصل إلى أن الحصبة تنتشر أساسًا عن طريق الرذاذ، وأن الإيبولا تنتقل عن طريق الاتصال المباشر بسوائل جسم الشخص المصاب، لكن ما زال هناك الكثير من الأمور غير الواضحة فيما يتعلق بالعديد من المُمْرِضَات، مما يعرقل جهود مسؤولي الصحة العامة في السيطرة على انتشار المرض أثناء تَفَشِّيه، إلى جانب الاستعداد لحالات التفشِّي المستقبلية. فمرض سارس ـ على سبيل المثال ـ كان يُعتقَد أنه ينتشر أساسًا عن طريق الاتصال المباشر بالشخص المصاب، إلا أن انتشار المرض في عام 2003 أَظْهَر ـ على الأقل ـ بعض الأدلة على انتقال العدوى عبر الهواء. كما يعتقد بعض الباحثين أن فيروسات الإيبولا قد تنتقل عبر الهواء أيضًا، ولكن بنسبة معينة.

رذاذ مُعَلَّق
أحد الأشياء التي أرادت بورووِيبا تحديدها فعلًا كان التوزيع الحجمي لقطرات الرذاذ الخارجة من الفم، حيث يؤثر الحجم على كمية الميكروبات التي يمكن لقطرة أن تحملها، والمسافة التي تستطيع قَطْعَها عبر الهواء.

في أول مجموعة قامت بها من التجارب، التي نُشرت في عام 2014، أرادت بورووِيبا أن تنظر في الرذاذ الخارج كله مع العطسة3. بدأت بنشر إعلانات في جميع أنحاء الحرم الجامعي لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؛ طلبًا لمتطوعين، ثم صَوَّرَت السعال والعطس لحوالي عشرة أشخاص أصحاء. وبعد محاولات عديدة لضبط وضع الكاميرا، والخلفية، ودرجة الإضاءة، حتى إنه في لحظة ما تَسَبَّب مستوى الإضاءة في تسخين الغرفة بشكل مزعج للمشاركين، قامت بورووِيبا بتصوير مقاطع فيديو تُظْهِر أن قطرات الرذاذ قد خرجت من الفم في سحابة مضطربة ممتدة، زاد حجمها وانخفضت سرعتها بالتزامن مع سَحْبِها للهواء من البيئة المحيطة إلى داخلها، رافعةً القطرات، وحامِلَةً إياها بعيدًا عن العاطس.

عطسة ملتقَطة باستخدام كاميرا فيديو عالية السرعة. بعد العطس، تخرج قطرات كبيرة مكونة من اللعاب والمخاط من الفم (اللون الأخضر)، لكنها تسقط بشكل سريع نسبيًا. وتحمل السحابة المضطربة قطرات أصغر حجمًا (اللون الأحمر)، تسمح لها بالانتقال إلى مسافة تصل إلى 8 أمتار.
عطسة ملتقَطة باستخدام كاميرا فيديو عالية السرعة. بعد العطس، تخرج قطرات كبيرة مكونة من اللعاب والمخاط من الفم (اللون الأخضر)، لكنها تسقط بشكل سريع نسبيًا. وتحمل السحابة المضطربة قطرات أصغر حجمًا (اللون الأحمر)، تسمح لها بالانتقال إلى مسافة تصل إلى 8 أمتار.

تعارضت تفسيرات الفيديو المصوَّر مع التفكير التقليدي حول العطس بأن القطرات الأكبر حجمًا تسقط على الأرض، عابرةً مسافة تتراوح ما بين متر، ومترين، وأن القطرات الأصغر حجمًا فقط هي التي تبقى مُعَلَّقَة في الهواء على هيئة رذاذ. وبتزويد نماذجها الرياضية بالتفسيرات التي حصلت عليها من الفيديو، استطاعت بورووِيبا استنتاج أنه بفضل ديناميكية السحابة، تَمَكَّنَتْ قطرات أكبر حجمًا عديدة من قَطْع مسافة 8 أمتار في حالة العطس، و6 أمتار في حالة السعال، بناءً على الظروف البيئية المحيطة، كما بقيت عالقة في الجو حتى 10 دقائق، وتلك المدة وتلك المسافة كافِيَتان لكي تصل تلك القطرات إلى شخص آخر في الطرف الآخر من غرفة كبيرة، ناهيك عن إمكانية دخولها في فتحات التهوية في السقف.

ومن جانبه، يرى جيمس هيوز ـ اختصاصي وبائيات الأمراض المعدية بجامعة إيموري في أتلانتا ـ أن هذا الاستنتاج ستكون له آثار على العاملين بالرعاية الصحية، فلو أنَّ هناك مرضًا يُعتقد أنه ينتقل في نطاق متر إلى مترين، سيَعتقِد العاملون أنهم في أمان بتواجدهم في نطاق أبعد من ذلك، وحسب. يقول هيوز:” أعتقد أننا ربما نحتاج إلى أن نكون أكثر حذرًا”.

في المجموعة التالية من التجارب4، قامت بورووِيبا بتقريب العدسة أكثر من الفم؛ لتصوير عطسة، بلغت مدتها 150 ملِّي ثانية. فأظهرت مقاطع الفيديو التي التُقطت من الجوانب ومن أعلى، والتي بلغت سرعتها 8000 لقطة في الثانية، أنّ السائل يتفتت على عدة مراحل، تشبه انفجارًا مصوَّرًا بالتصوير البطيء في أحد أفلام هوليوود؛ حيث يخرج السائل من الفم في صورة ألواح تتشكل فيها ثقوب، ثم تتكون حلقات تتمدد بفعل مسار الهواء. تتكسر الحلقات بعد ذلك، مخلِّفةً خيوطًا تتكون عليها حَبّات صغيرة من السائل، وتتمدد هذه الخيوط وتتفتت؛ لتنتِج القطرات النهائية.

اندهشت بورووِيبا حين علمت بكل تلك الأشياء التي تحدث للسائل خارج الفم، إذ ظهر بوضوح عدم دقة الافتراض السائد بأن قطرات الرذاذ تخرج من الفم كاملة التشكُّل. ويرى جيراردو تشوويل، اختصاصي رياضيات الأوبئة بجامعة ولاية جورجيا في أتلانتا، أن هذا الاكتشاف هام للغاية؛ إذ يعني أن تكوين القطرات قد يتأثر بقوة بالظروف البيئية المحيطة، كالرطوبة، ودرجة الحرارة. وقد يساعد ذلك في تفسير سبب حدوث بعض الأمراض ـ كالإنفلوانزا ـ في فترات محدَّدة من السنة أكثر من غيرها، كما يقول، إذ تساعِد الظروف المحيطة على انتشار بعض الميكروبات وبقائها.

يأمل تشوويل، الذي يصنع نماذج تحاكي عملية انتشار الأمراض المعدية، أن تُستخدم أعمال بورووِيبا في المستقبل؛ لإعطاء كل مرض رقمًا يعبِّر عن مدى احتمال انتقاله عبر الهواء. كما يقول إنّ معرفة أن أحد المُمْرِضات ينتقل عبر الرذاذ في الهواء في حوالي 85% من الأحيان قد يعطي مسؤولي الصحة العامة فكرةً أفضل حول سرعة ومدى انتشار المرض، مقارنةً بمُمْرِض آخر ينتقل عن طريق الهواء بنسبة 5% فقط. ويضيف: “تتطلب النماذج معلومات، وأعتقد أن جهود بورووِيبا وغيرها ستساعدنا على إتقان تصميم تلك النماذج؛ مما سيؤثر على قدرتنا على التنبؤ بمعدل انتشار الأمراض وقت حدوثها”.

ومن عيوب المهنة التي تعاني منها بورووِيبا: صعوبة التوقف عن التفكير في عملها طوال الوقت؛ فإذا ما سمعت أحدهم يعطس على متن طائرة، أو في فصل دراسي مثلًا، فإنك لا تستطيع تفادي التفكير في قطرات الرذاذ المتطايرة في الهواء. وليس هناك الكثير لتفعله حيال ذلك، إلا أن ذلك يذكِّرها بما أثار شغفها لدراسة ميكانيكا الموائع عندما كانت طالبة؛ فالموائع موجودة في كل مكان حولنا.

مدونة ملحوظة

المصدر مجلة ناتشر

الوسوم

اترك تعليقاً

إغلاق