تصحيح الحقائقمدونات ساسة بوست

اعترافات محرّر فقرة الأبراج

إنّ موقع جوبيتر من ساتورن يضع السرطان في مأزق ويدفعه لاتّخاذ قرارات هوجاء.

إنّها إحدى مئات الجُمَل التي كتبتها منذ ما يزيد عن 10 سنوات في فقرة الأبراج لأحد مواقع الأخبار المحلّيّة.

شمل عملي أيضًا إنشاء جداول تصنّف الناس حسب عدد أحرف أسمائهم أو حسب الحرف الأوّل من أسمائهم أو حسب الساعة التي ولدوا فيها والكثير من الأمور المشابهة لما نراه اليوم في المواقع المخصّصة لاختبارات الشخصيّة، وكانت تلك الجداول تحوي نصوصًا بسيطة هدفها جذب محرّكات البحث ولم تكن تحوي كما اليوم برمجيات معقّدة، ولم تكن تعتمد على التجسس على معلومات شخصيّة مأخوذة من «فيسبوك».

السؤال المهمّ الذي يطرح نفسه، كيف أمكن لتلك الأمور وعلى رأسها الأبراج أنْ تجذب كلّ هذا العدد من المتابعين والمصدّقين لها؟

بدايةً أريد التنويه إلى أنّ هذا الأمر لا يقتصر وجوده على العالم العربي، بل يشيع في كلّ أنحاء العالم، كما أنّه لا يمكن تفسير الأمر فقط بالتسلية، بل إنّ المتابعين يصدّقون أغلب ما يقوله مذيعو الصباح عن أبراجهم ويعدّلون من قراراتهم وتصرفاتهم بناءً على ما يسمعونه وإنْ كان الأمر بنسبٍ متفاوتة.

حسب رأيي يكمن السبب في تصديق الناس للأبراج -وما شابهها- إلى ارتكابهم مغالطتين منطقيتين شهيرتين هما: مغالطة قناص تكساس، ومغالطة انتقاء الكرز.

1- مغالطة قناص تكساس والأبراج

هناك رجلٌ في تكساس لديه بندقية، رمى الكثير من الطلقات على جدار حظيرته، ثم أخذ قلمًا وأحاط أكبر عدد ممكن من العلامات التي أحدثتها الطلقات على الجدار بدائرة واحدة، وادّعى أنّه قناصٌ ماهر.

تُستَخدم هذه المغالطة بعد وقوع الأحداث، حيث يتمّ التركيز على ما يتوافق ورؤيتنا فقط.

2- مغالطة انتقاء الكرز والأبراج

إذا نزلت إلى بستان كرز لتأكل من الشجر مباشرة، ماذا ستأكل وأمامك آلاف حبّات الكرز، بالتأكيد ودون أن تشعر ستقطف حبّات الكرز الممتلئة والأكثر نضوجًا والتي تبدو أنّها الألذّ، وتتجاهل آلاف الحبّات غير الناضجة، وإنْ سُئلت كيف كان طعم الكرز في هذا البستان، ستقول إنّه أطيب كرزٍ أكلته في حياتك.

تُستخدم هذه المغالطة لانتقاء البيانات التي تتوافق مع وجهة نظرنا فقط وتجاهل البقية.

لنجرّب هذا النصّ من أحد مواقع الأبراج:

مواليد هذا البرج لديهم صفات جميلة، كالبراءة والأمان، ويحب مساعدة الآخرين، ذكي وكريم، مشاعره صادقة ويكره الكذب، محب لأسرته وأصدقائه، لكنه سلبي، وهو شخصٌ عنيف، صريح وينتقد بشدة، وهو حذر جدًا ومزاجي، دائم التفكير والقلق، مغرور.

لاحظ أنّ هناك بعض الصفات المتعارضة، كما أنّه من المستحيل وجود شخص يحمل كلّ تلك الصفات مجتمعةً، لكن ما يحصل أنّ كلّ من يقرأ الصفات أعلاه، سيركّز على الصفات التي يظنّ أنّها تنطبق عليه، ويتجاهل البقيّة، فيقول في نفسه: بالفعل أنا أحبّ أسرتي، وأنا كريم وذكي، وأنا صريح وأكره الكذب.

هنا ارتكب مغالطة انتقاء الكرز، فانتقى الصفات التي تنطبق عليه وتجاهل البقية التي هي أصلًا متعارضة معها، فكيف تشعر بالبراءة والأمان مع المغرور والعنيف، كيف يكون محبًا لعائلته ويكون سلبيًا؟

ولنأتي للحظ اليوم

مهنيًا: تركّز هذا اليوم على الشؤون المهنية التي تصادف بعض التحديات، لكنك بذكائك الحاد تتغلب على كل ما يعترضك.
عاطفيًا: حافظ على الهدوء المطلوب هذا اليوم، وقد تنتهي المواجهات في مصلحتك ومصلحة الشريك كما جرت العادة.
صحيًا: قد تصاب بتقلص عضلي نتيجة الإرهاق الذي تتعرض له في العمل، لكنه يزول سريعًا.

هنا سيرتكب كلّ قارئ للأبراج مغالطة القنّاص، حيث يقول عند انتهاء اليوم، بالفعل لقد تعرّضت لبعض المتاعب والتحديات في العمل، وأنا أشعر بالتعب، هذا ما سمعته في فقرة الأبراج، أووه لماذا لم آخذ حذري؟!

كيف سيأخذ حذره؟ هل سيأخذ إجازة؟ بالتأكيد لا، أصلًا كلّ الأعمال في الكوكب تواجه تحديات يوميّة، وجميعنا نرجع من العمل متعبين، وإن رجع صاحبنا لبيته دون تعب، فلن يتذكّر ما قاله المذيع في الصباح.

هل الأبراج فقط؟

لا، هذا ما يحدث مع جميع الأمور المشابهة، الفنجان، والكفّ، والأبراج الصينيّة التي يظنّ الكثيرون أنّها تختلف عن الأبراج اليونانيّة وأنّها أكثر صدقًا، بالله عليكم هل من المعقول أنّ جميع مواليد عامٍ ما سيكونون متشابهين كما تقول الأبراج الصينيّة؟!

وسأزيدكم من الشعر بيتًا، لم أكتب أبراج الحظّ فحسب، بل ألّفتُ اختبارات الشخصيّة بناءً على شكل اصبع قدمك الكبير، وعلى شكل شعرك، وعلى قياس خصرك، وعلى شكل حذائك المفضّل، وموديل التنّورة، وطول إصبع السبابة، ..الخ

صحيحٌ أنّي لستُ كشركات التجسّس على المعلومات الشخصيّة التي ستُسخدم فيما بعد لإغراقك بالإعلانات، إلّا أنّ هذه الاختبارات شكّلت مصدرًا ثريًّا بالبيانات المفيدة، فمنها عرفتُ نسبة مستخدمي الآيفون إلى مستخدمي السامسونج والبلاك بيري في موقعٍ معيّن، وعرفتُ جنسيّاتهم وشرائحهم العمريّة ونمط أسمائهم والموادّ الدراسيّة التي يفضّلونها، وهل يمارسون الرياضة أم لا وهل هم نباتيّون أم لا… إلخ، كلّ هذا ساهم في تحسين نوعيّة المعلومات التي أزوّدهم بها كنتائج لاختبارات الشخصيّة أو من أجل الحظوظ اليوميّة.

أمّا لماذا أكتبُ هذا المقال؟

كتبته لأنّي لم أُفلِح في إقناع الكثيرين بأنّ ما يسمعونه ويقرؤونه في فقرة الأبراج غير صحيح لأسباب إحصائيّة ورياضيّة، فكان لابدّ لي من الاعتراف، والاعتراف سيّد الأدلّة.

نُشرت هذه المقالة في ساسة بوست بتاريخ 8-12-2018

الوسوم

اترك تعليقاً

إغلاق