أدبأعلام

لاسلو كراسناهوركاي.. كاتب الفوضى الهادئة والعالم الذي لم يتعلم شيئًا

هل يمكن للكتابة أن تكون زلزالًا بطيئًا؟ أن تهزّ كل شيء من دون أن تُصدر صوتًا؟
هذا بالضبط ما يفعله لاسلو كراسناهوركاي، الكاتب المجري الذي فاز مؤخرًا بـ جائزة نوبل للأدب، وكأن الأكاديمية السويدية قررت أخيرًا الاعتراف بالجنون كنوع من العبقرية.

ولد كراسناهوركاي عام 1954 في مدينة “غيولا” الصغيرة في المجر، في زمنٍ كانت فيه أوروبا الشرقية تتقن فنّ الصمت أكثر من فنّ الحرية. درس القانون ثم هرب منه إلى الأدب، ليصبح لاحقًا أحد أكثر الكتّاب الأوروبيين سوداوية وصدقًا. رواياته طويلة الجمل، خانقة الأنفاس، لكنها مفتوحة على اتساع الهاوية.
لا يحب النهايات، ولا يثق بالبدايات، ويبدو أنه لا يؤمن إلا بما يقع بينهما: التيه.

الكتابة كفوضى مدروسة

في روايته الأشهر «ساتانتانغو»، التي تحوّلت لاحقًا إلى فيلم أسطوري على يد المخرج الهنغاري بيلا تار، يقدّم كراسناهوركاي قريةً تغرق في الوحل بعد انهيار نظامها الزراعي.
الناس في الرواية لا يملكون شيئًا إلا الأمل الفاسد، والكاتب لا يمنحهم إلا انتظارًا عبثيًّا.
كأنك تقرأ نسخة أدبية من فيلم “يوم القيامة”، ولكن بلا صراخ أو مؤثرات خاصة، فقط انقراض بطيء مكتوب بجمل طويلة مثل أفعى لا تنتهي.

أسلوبه يُشبِه المشي في زقاق ضيّق مغطّى بالضباب: لا ترى شيئًا، لكنك تعرف أن هناك شيئًا عظيمًا ينتظرك في النهاية… أو ربما لا ينتظرك شيء أبدًا.
هو لا يقدّم أحداثًا بقدر ما يقدّم حالة وجودية، ويجعل القارئ يعيش داخل الكابوس بدلًا من أن يقرأ عنه.

لماذا نحتاج إلى كراسناهوركاي اليوم؟

لأن العالم أصبح يشبه رواياته.
نحن نعيش، كما يصف هو، في زمنٍ “توقفت فيه الحكاية، ولم يتوقف الألم”.
لا أحد يفهم ما الذي يحدث، والكل يتظاهر بأنه بخير.

حين تقرأه، تشعر أن المجر في رواياته ليست بعيدة عن سوريا بعد الحرب:
قرىٌ مهدّمة، ناس فقدوا الثقة بكل شيء، سلطة عاجزة، وذاكرة ترفض أن تُشفى.
كراسناهوركاي لا يكتب عن المجر، بل عن الإنسان حين يفقد معنى النجاة.
وما أكثر ما نشبه هذا الإنسان في شوارع حلب أو درعا أو حمص.

ربما لهذا يستحق جائزة نوبل أكثر من كثيرين:
لأنه لم يكتب عن “السلام” ولا عن “التحرر”، بل كتب عن اللحظة التي تسبق الانفجار — تلك اللحظة التي نعرفها نحن السوريين جيدًا، حيث الصمت أعلى من كل المدافع.

العبث كدليل حياة

قال في إحدى مقابلاته:
“العالم ينهار، وأنا أحاول فقط أن أصف الانهيار ببطء كافٍ ليفهمه الناس.”
إنه لا يكره البشر، لكنه لا يثق بهم. يرى فيهم شهوة الخلاص بلا نية للتغيير.
يكتب كمن يضع مرآة أمام الهاوية، ويطلب من القارئ أن يرى وجهه فيها.

وهنا تتقاطع تجربته مع واقعنا:
نحن أيضًا نحاول إعادة بناء وطنٍ مكسور، ببطءٍ مَرَضيّ، كما لو أن الدمار صار جزءًا من نظام الحياة.
ربما نحتاج إلى أدب مثل أدب كراسناهوركاي ليذكّرنا أن الفوضى ليست نقيض النظام، بل وجهه الآخر.

كراسناهوركاي ليس كاتبًا يُقرأ على مقعد في مقهى، بل كاتب تحتاج أن تغلق العالم لتسمعه.
هو صرخةٌ مكتومة في زمنٍ ضجيجه لا يُطاق.
وربما كان من حسن حظ الأدب أن يجد فيه من يقول ما لا يُقال،
ومن حسن حظ السوريين أن يجدوا في أدبه ما يشبه وجعهم حين يعجزون عن وصفه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى