ملحوظات فلسفية

لماذا يسير البشر نحو الانقراض

نظرية الأحصنة لتفسير انخفاض معدل الإنجاب

طرحت عالمة الاقتصاد كاثرين روث باكالوك نظرية لتفسير أزمة التراجع السكاني العالمي، وتتلخص في الفكرة: تحوّل الأطفال في عصرنا الحديث من ضرورة اقتصادية إلى رفاهية اختيارية، تماماً كما حدث للحصان تاريخياً.

قبل قرن تقريباً، لم يكن الناس يقتنون الخيول حباً في جمالها، بل لأنّها كانت عصب الاقتصاد والمواصلات ونقل البضائع، لكن بمجرد أن طرح هنري فورد سيارته الاقتصادية (Model T)، انهار الاقتصاد القائم على الخيول خلال سنوات قليلة، لا يقتني الحصان إلا الأثرياء كـ هواية مكلفة.

سابقًا كان الإنجاب الكثيف يحلّ ثلاث مشكلات اقتصادية كبرى:
العمالة المجانية: الأبناء هم اليد العاملة في الأرض الزراعية أو في تجارة العائلة دون الحاجة لدفع رواتب للغرباء.
شبكة الأمان العائلية: وجود أبناء بعمر الشباب يحمي الأسرة من التشرد في حال وفاة الأب أو مرضه.
صندوق التقاعد: الأولاد هم الاستثمار والمصدر الوحيد للإنفاق على الآباء عند الشيخوخة.

سحبت التكنولوجيا الحديثة البساط من تحت هذه الأهمية عبر ما يسمى في قطاع الأعمال بـ الإسناد الخارجي المنظم (Systematic Outsourcing)
المكننة قللت الحاجة للأيدي العاملة؛ ما كان يحتاج عشرة أفراد لزراعته، يكفيه اليوم مزارع واحد بآلة حديثة.
حلّت صناديق التقاعد والتأمين الصحي والاجتماعي محل الاستثمار في الأبناء.

يُذكر أنّ الباحثة المذكورة باكالوك لديها ثمانية أطفال، وتجدر الإشارة أخيراً أنّها لم تقل “الناس لم يعودوا يحبون الأطفال” بل قال إنّ البنية الحديثة للحياة جعلت الإنجاب يفقد منطقه العملي والاجتماعي التقليدي، وبالتالي تفسير انخفاض الخصوبة اقتصاديًا فقط تفسير ناقص، لأن القضية مرتبطة بتغيّر معنى الأسرة والحياة نفسها.

نحن نعيش في زمن لم يعد فيه المرء مجبراً على الإنجاب ليعيش، بل أصبحت الحسبة المنطقية الباردة تقول: بدون أطفال، ستمتلك مالاً أكثر، ورفاهية أعلى، ووظيفة أفضل.
لذلك تفشل المحفزات المادية للحكومات (كما يحدث في اليابان)، لأن الأزمة ليست أزمة سيولة، بل أزمة قناعة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى