مقالاتي

دراسة إحصائية حول أسباب التحرّش الجنسي وطرق محاربته

ملخّص البحث

يقوم البحث على أساس استبيان مجموعة من المبحوثين الذين يشكلون عينة من المجتمع العربي في الشرق الأوسط خاصّة السوريين حول أسباب التحرش، والحلول التي يقترحونها للحدّ من هذه الظاهرة، وقد اتبعنا أسلوب تجميع الآراء حول الحلول لننطلق من الأسفل للأعلى، حيث إنّ الحلول التي جاءت من الأعلى وطبّقت على المجتمعات جميعها تقريبًا لم ينجح، وبعد تحليل الإجابات تعزّزت فكرة تشتت الناس وعدم اتفاقهم على نقاط واضحة، لكن لمسنا اتّجاهًا كان أكثر وضوحًا وهو أنّ العقوبات الصارمة قد تشكل أقوى الأسلحة في هذه المعركة التي لا نعرف من فيها عدوّنا ومن فيها صديقنا، حيث يكاد يكون الجميع قد تعرّض لنوعٍ من أنواع التحرّش، وكذلك يبدو أنّ الجميع يشترك في هذا الجرم إمّا بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.

الباب الأوّل: تحديد الموضوع وإشكاليّته

أولًا: أسباب اختيار الموضوع

1- الأسباب الذاتيّة:

– تقديم مشروع بحثي في نهاية دورة إعداد الباحثين.

– الاهتمام الشخصي بالأبحاث المرتكزة على الإحصاء والاستبيانات.

– معايشة ظاهرة التحرّش الجنسي بشكل يومي في كافّة مناحي الحياة.

2- الأسباب الموضوعيّة:

– ازدياد الزخم الإعلامي الذي يُثار حول قضيّة التحرّش في كلّ أنحاء العالم.

– البحث عن السبب الحقيقي الكامن وراء هذه الظاهرة أملاً في وضع حلول ناجعة وقابلة للتنفيذ للتصدّي لها.

ثانيًا: أهمّيّة الدراسة

بات التحرّش الجنسي بكافّة أنواعه ومستوياته الظاهرة الاجتماعيّة الأكثر شيوعًا والحديث عنها الأكثر تداولًا، حيث لا يكاد يخلو مجتمع من بعض مستوياتها، والتي وصلت في بعض المجتمعات إلى درجة تصنيفها مرضًا اجتماعيًّا، كما أنّه لم ينجُ منها لا دول العالم الثالث ولا دول العالم المتقدّم ولا حتّى هوليود التي يظنّ الكثيرون أنّها مشبعةٌ بل متخمةٌ جنسيًّا، وهذا ما يصعّب مهمّة البحث عن الأسباب وبالتالي الحلول، وعليه فإنّ أيّة دراسة في هذا المجال مهما كان نوعها ستكون لَبِنةً إضافيّة في بناء حلولٍ مفيدة.

ثالثًا: أهداف الدراسة

تهدف دراستنا بشكلٍ رئيس لاقتراح حلول للتصدّي لظاهرة التحرّش، انطلاقًا من ترشيحات يقدّمها أفراد العيّنة المبحوثة آراءهم.

رابعًا: إشكاليّة البحث

تشهد معظم مجتمعات العالم نسبًا متزايدة من التحرّش الجنسي، والذي لا يملك تعريفًا أو حدودًا واضحة، حيث يختلف مفهوم التحرّش الجنسي باختلاف الدول والبيئات وحتّى باختلاف العائلات ضمن البيئة الواحدة، تبعًا لثقافة وديانة وطائفة وطريقة تفكير أفراد تلك العائلة.

وإنّ انتشار هذه الظاهرة في كافّة مجتمعات الأرض تقريبًا وضمن مختلف الطبقات الاجتماعية والثقافيّة، يجعل تحديد العوامل المسبّبة لهذه الظاهرة متشعّبة جدًّا، لدرجة أنّه يمكننا اعتبار جميع الآراء التي تحلّل الأسباب وتتوقعها مصيبةً.

لكن يبقى السؤال الأهمّ بعد اكتشاف الأسباب ما هو السبيل للتصدّي لهذه الظاهرة؟

وهل من الممكن أصلًا القضاء على التحرّش؟

الباب الثاني: الأسس المنهجيّة للدراسة.

أوّلًا: مجالات الدراسة

1- المجال الزمني: أسبوع واحد من 16 أيلول/ سبتمبر حتى 23 أيلول/ سبتمبر من عام 2018

2- المجال الجغرافي: الشرق الأوسط

ثانيًا: عيّنة الدراسة

شملت العيّنة 106 أشخاص عشوائيين تمّ الوصول إليهم عبر: فيسبوك، واتسآب، لينكدإن.

جميعهم من الناطقين باللغة العربيّة.

ثالثًا: أدوات جمع البيانات

الاستبيان الإلكتروني عبر نماذج جوجل.

رابعًا: منهج الدراسة

المنهج التحليلي

خامسًا: الصعوبات التي واجهت الباحث

– قِصَر الفترة الزمنيّة المخصّصة لجمع البيانات ممّا جعل العينة المبحوثة صغيرة نسبيًّا.

– الخوف من تعبئة الاستبيان كونه يناقش قضيّة جدليّة والبعض يعتبرها من المحرّمات.

– وجود العديد من الاستبيانات اللاغية والتي عُبّئت للعبث بالنتيجة النهائيّة، إمّا بالتكرار أو بإعطاء معلومات وهميّة.

الباب الثالث: البناء النظري والميداني للدراسة

أوّلًا: تعريف التحرّش.

توجد العشرات إن لم يكن المئات من التعاريف للتحرّش الجنسي، وسنورد أشدّها اقتضابًا وأشملها معنىً وهو “سلوكٌ غير مُرَحّب به، يحمل طابعًا جنسيًّا”. حسب لجنة تكافؤ فرص العمل الأمريكيّة EEOC.1

كما أوردت اللجنة في موقعها في هذا السياق أمثلةً كثيرة عن تصرّفات يمكن اعتبارها تحرّشًا، منها:

– الكلام الجنسي المباشر، أو غير المباشر، وهو ما نقول عنه باللغات العربيّة الدارجة (تلطيش) أو (معاكسة).

– اللمس المقصود، وذاك الذي يبدو غير مقصود، والذي يجري في الأماكن المزدحمة كالمواصلات أو المصعد.

– الضغط على شخصٍ ما للحصول على موعد مقابل تقديم خدمات معيّنة.

– إطلاق ألفاظ الدلع الجنسية في الهواء.

– إطلاق أصوات قبلات أو صفير في الهواء بصوت مرتفع ومسموع.

– التعليقات أو النكات الجنسية أمام أشخاص غرباء.

– العضّ على الشفاه أو إبراز اللسان بطريقة شهوانيّة.

– السؤال أثناء إجراء مقابلات العمل عن مواضيع جنسيّة لا علاقة لها بالعمل مثل الصداقات الحميمة أو التوجّه الجنسي للشخص.

– إرسال هدايا شخصيّة أو رومنسيّة بدون مناسبة لأشخاص لا رابطة معهم.

– الوقوف بقرب الشخص الآخر على مسافةٍ قريبة جدًّا دون الحاجة لذلك.

– الوقوف في طريق شخصٍ ما وسدّ الطريق عليه.

يخلط الكثيرون بين التحرّش الجنسي والاعتداء الجنسي والاغتصاب الجنسي، حيث تقول مبادرة “خريطة التحرش”2 في موقعها الرسمي: “إنّ التحرّش الجنسي هو صورة من صور العنف الجنسي الذي يشمل أيضًا: الاعتداء الجنسي مثل التقبيل بالإكراه أو التعرية بالإكراه، والاغتصاب وهو محاولة إدخال أي شيء -أدوات أو أعضاء- في فتحات الفم أو الشرج أو المهبل بالقوة والإكراه”

ثانيًا: استمارة الاستبيان

شمل الاستبيان3 على عشرة أسئلة الإجابة عنها إجباريّة عدا السؤال عن الجنسيّة ومكان الإقامة.

يحوي الاستبيان أسئلة مفتاحيّة حيث تحدّد الإجابة عنها مسار الأسئلة التالية، كما تمّت العناية بطريقة الخطاب، بحيث يوجّه بصيغة المؤنّث للإناث والمذكر للذكور, وفيما يلي أسئلة الاستمارة (بضمير المؤنّث):

اضغط هنا للذهاب للاستمارة

 

كما هو ملاحظ فإنّ الاستمارة حَوَت سؤالين أحدهما فخٌّ للآخر، وهما السؤالين السابع والثامن.

حيث قال السؤال السابع ما هو الذي يمنع المتحرّش من التحرّش؟ بينما قال الثامن ما هو اقتراحك للتخفيف من التحرّش؟ ومن المفروض منطقيًّا أن تكون الإجابتين عن هذين السؤالين منسجمة، مثلًا إنْ أجاب المبحوث عن السؤال السابع أنّ الدين هو ما يمنع الشخص من التحرّش، فإنّ إجابة نفس المبحوث عن السؤال الثامن يجب أنْ تكون التوعية الدينية وتبيين حرمانية التحرش سيكون حلًا مناسبًا للتخفيف من التحرّش.

أمّا السؤال الثالث عشر فهو من أكثر الأسئلة حرجًا ومنعًا للإحراج وأملًا في الحصول على إجابات حقيقيّة قدر الإمكان أضفنا إلى الإجابات خيار “أفضّل عدم الإجابة” والتي سنفسّرها بالإيجاب.

 

الباب الرابع: تحليل النتائج

أوّلًا: وصف نتيجة الاستبيان.

عدد الاستمارات المقبولة 106

عدد الاستمارات الملغية 2

الشريحة العمرية 17-60 سنة

الجنس 64% إناث

الإناث اللواتي تعرّضن للتحرّش 79%

الإناث اللواتي أقررن بأنّهنّ تحرّشن يومًا ما 1.5% + 3% لم يجبن بالإيجاب

الذكور الذين تعرّضوا للتحرّش 65%

الذكور الذين أقرّوا بأنّهم تحرّشوا في يومٍ ما 13% + 8% لم يجيبوا بالإيجاب.

وقد صنّفت النساء الملامسة باليد أو أعضاء أخرى من الجسم على أنّه تحرّش بنسبة 85%

أمّا الرجال فقد كانت نسبة من صنّف نفس الفعل على أنّه تحرّش 60%

ترى 55% من النساء أنّ قلّة التربية لدى المتحرّش هي سبب التحرّش، بينما ترى 33% منهنّ أنّ السبب هو أنّ المتحرّش يستطيع ذلك دون نيل العقاب، وترى نسبة 7% أنّ انفراد المتحرّش بها هو السبب.

أمّا الرجال فقد توزّعت أسباب التحرّش بهم على شريحة أوسع، حيث رأى 31% منهم أنّ قلة التربية لدى المتحرّش هي السبب، ونفس النسبة رأوا أنّ بقاءهم وحيدين مع المتحرّش هو السبب، بينما رأى 7% أنّ السبب هو جمالهم، أو وضعهم المادي المريح، أو اللباس.

وعن الأماكن التي تعرّض فيها الضحايا للتحرّش تصدّرت المواصلات القائمة، حيث عانت 87% من النساء و54% من الذكور من التحرّش في المواصلات.

وقد تعرّض 40% من النساء و 39% من الذكور للتحرّش أثناء طفولتهم.

وفيما يلي الموانع التي قد تمنع المتحرّش من أداء تحرّشه والاقتراحات لمواجهة التحرّش من وجهة نظر كلّ من الذكور والإناث

وقد أبدى 35% من المبحوثين الرغبة في البقاء على تواصلٍ مع معدّ الدراسة [دون معرفته في الغالب] للاطلاع على نتائجها بعد الانتهاء من تحليل النتائج.

وكان 87% من المبحوثين الذين أفصحوا عن جنسيّاتهم من السوريين والبقية من العرب والأتراك.

يقيم 65% من المبحوثين الذين أفصحوا عن مكان إقامتهم في تركيا ويتوزّع الباقون كما يلي: 14% سوريا، 17% الدول العربية، 4% أوربا وآسيا.

يتقن جميع المبحوثين اللغة العربية (لغة الاستبيان اللغة العربية فقط).

نُقر على رابط الاستبيان حوالي 400 مرة، بينما تمّت تعبئته في ربع هذه المرّات فقط.

94% ممّن وصلهم الاستبيان كان قد وصلهم عن طريق الموبايل، وكذلك 72% منهم وصلوهم عبر فيسبوك، 55% منهم يحملون الآيفون.

ثانيًا: تحليل نتائج الاستبيان.

1- ما زال الخوف يسيطر على غالبيّة العرب بشأن الخوض في الحديث عن التحرّش، حيث أرفق ثلث المبحوثين فقط وسيلة تواصل معهم (وهو ما يمكن اعتباره إشارةً إلى هويّة الشخص)، بينما لم يدرج ربعهم جنسيته أو مكان إقامته رغم أنّ هاتين المعلومتين لا تشيران بالضرورة إلى هويّة الشخص إلّا إن كانتا مميّزان جدًّا كأن يكون مكان الإقامة في سنغافورة أو موناكو الصغيرتان جدًا.

2- أيضًا اللامبالاة وخاصّة من طرف الذكور بشأن موضوع التحرّش كانت سمةً واضحة، حيث استجاب ربع الأشخاص الذين نقروا على رابط الاستبيان، بينما يشكل الذين استجابوا نسبةً تكاد لا تُذكَر ممّن وصلهم الإعلان (وصل الإعلان لأكثر من خمسة آلاف شخص ناطق بالعربية ويسكن إحدى دول الشرق الأوسط).

3- منطقيًّا كذَبَ ثلث المبحوثين على الأقلّ، حيث يقول 13% من الذكور بأنّهم تحرّشوا بإناث، وتقول 79% من الإناث إنّهن قد تعرّضن للتحرّش من طرف الذكور، فإمّا أن يكون الذكور الذين قالوا بإنّهم لم يتحرّشوا كاذبين، أو إنّ الـ13% الذين أقرّوا منهم بممارستهم للتحرّش قد تحرّشوا بكلّ تلك الإناث، وهذا ما يعني عدديًّا أنّ كل واحدٍ من المتحرّش يتحرّش بـ11 أنثى. وبنفس الطريقة نصل إلى أنّ أنثى واحدة ستتحرّش بـ13 ذكر.

4- من أسباب الكذب الواردة أعلاه النظرة السيّئة التي يُنظَر بها للمتحرّش في الوقت الحالي، ونقول في الوقت الحالي، لأنّ هذه النظرة بدأت حديثًا تتبلور بهذا الشكل، فقد كانت (وما زالت في بعض المجتمعات) النظرة للمتحرّش من قِبَل أقرانه نظرةً إجابيّة وفيها من الفخر والبطولة ما فيها.

5- النسبة الأكبر من المستجيبين للاستبيان كانت من الإناث لأنّهن الأكثر عرضةً للتحرّش، والأكثر تعرّضًا لآثاره السيّئة.

6- التحرّش في المواصلات كان المتصدّر لحالات التحرّش، وهذه نتيجة منطقيّة، لأنّ المواصلات هي المكان الأكثر ازدحامًا وهي المكان الأكثر ملاءمةً للتحرّش، ورغم ما نسمعه في الأخبار عن حالات التحرّش الجماعي إلا أنّها كانت بين مبحوثينا قليلة وهذا الأقرب للصحّة، لأنّ ما نسمعه في الإعلام عن حالات التحرّش الجماعي لا يعني بالضرورة كثرتها.

7- اللافت للنظر وجود حالات تحرّش من قِبَل المعلّمين (غير محدّد فيما إذا كان ضمن المدرسة أمْ خارجها)، وكذلك حالات تحرّش ضمن أماكن العبادة (غير محدّد فيما إذا كان من طرف رجال الدين أمْ المرتادين).

8- التحرّش ضدّ الأطفال حاضر بقوّة، حيث تعرّض حوالي 40% من كلّ المبحوثين ذكورًا وإناثًا للتحرّش أثناء طفولتهم.

9- يتفّق الذكور والإناث في أغلب التصرّفات التي يعدّونها تحرّشًا، والتي يأتي على رأسها الملامسة المباشرة باليد أو أحد أجزاء الجسم الأخرى، وهذا ما رفع نسبة التحرّش في المواصلات التي تكثر فيها الملامسة والتي قد تكون مقصودةً بهدف التحرّش، يأتي بعد ذلك المعاكسة بصوت مسموع بعبارات الغزل أو البذاءة الشائعة.

10- ترى الغالبية العظمى من الذكور والإناث أنّ إرسال طلبات الصداقة عبر فيسبوك وما شابه لا يعدّ تحرّشًا، وكذلك النظر العادي إلى الطرف الآخر، بينما يعتبر البعض التحديق المستمرّ تحرّشًا.

11- السؤالان السابع والثامن واللذان وضعنا أحدهما فخٌّ للآخر، أوقعا الكثيرين وبدا التناقض واضحًا، حيث اعتبرت ثلث الإناث أنّ الدين يشكّل رادعًا للمتحرّش، بينما اقترحت نصف ذلك العدد تقريبًا فقط التوعية الدينيّة كحلّ لمشاكل التحرّش. وكذلك فإنّ 20% منهنّ رأين أنّ العقوبة هي ما يمنع المتحرشين من التحرّش، بينما اقترحت 44% منهنّ أنّ تطبيق عقوبات صارمة سيكون حلًا لمشكلة التحرّش.

12- لا ترى الغالبية الساحقة من المبحوثين أنّ قوّة الضحيّة قد تكون رادعًا للمتحرّش، وهذا ما يفسّر أنّ لا أحد اقترح أن تحمل الضحية سلاحًا أو أن تتدرّب على فنون القتال، كما أنّ كثير من الضحايا خاصّة الإناث تفضّل السكوت عند التعرّض للتحرّش فضلًا عن توجيه لكمة للمتحرّش.

13- يرى القليلون (3%) أنّ الخجل من المجتمع يشكّل رادعًا للمتحرّش، ممّا يدلّ على أنّ المجتمعات لا تكترث لأمر التحرّش ولا تعدّه أمرًا مخجلًا ممّا يشكّل سببًا إضافيًّا لتجشيع المتحرّش على الاستمرار في تحرّشه.

14- فقط 3% يرون أنّ لباس المرأة غير المحتشم هو السبب الذي يدفع المتحرّش للتحرّش، ويجب وضع قوانين للباس المرأة، ورغم أنّ النسبة كافيةً للبرهان على أنّ لباس المرأة مهما كان فاضحًا ليس هو المشكلة، فإنّ ورود أمثلةٍ في استبياننا على حالات تحرّش من قِبَل معلّمين أو ضمن أماكن العبادة بما فيها الحرم المكّي يعزّز هذه النتيجة، ولو أنّ اللباس غير المحتشم هو السبب لكانت الشواطئ المليئة بالمصطافين المستلقين على الرمال شبه عراة هي أكثر الأماكن عرضةً لحوادث التحرّش، وهنا نذكّر بالتعريف الذي اعتمدنا للتحرّش وهو “تصرّف غير مرحّب به يحمل طابعًا جنسيًا”، وحيث إنّ البعض يجعل الجلوس على مقعدٍ فارغ بجوار امرأة في الباص تحرّشًا، يرى آخرون أن الاستلقاء بحذاء امرأة تلبس البكيني فعلًا اجتماعيًّا مقبولًا.

15- توزّعت الحلول المقترحة على فئتين رئيستين هما:

الصرامة في التعامل مع التحرّش، وهذا يضمّ تحته تطبيق أقسى العقوبات تجاه المتحرّش، وتعزيز المراقبة عبر الكاميرات وفضح المتحرّش.

العمل على تفادي المشكلة قبل وقوعها، وهذا يضمّ تحته التوعية الاجتماعية عبر وسائل الإعلام، وتعديل المناهج الدراسيّة، والتوعية الدينيّة بحرمانيّة التحرّش.

مع الانتباه إلى أنّ أنصار الفئة الأولى كانوا أكثر، وهذا يعود إلى سببٍ رئيسٍ واحد هو أنّ حملات التوعية سواءً الدينيّة أو الاجتماعيّة قديمةٌ جدًّا ويرى الكثيرون عدم جدواها مقارنةً بالعقوبة المباشرة والقاسية، ويشدّدون على القسوة وليس فقط العقوبة لأنّ التحرّش وإنْ استصغره البعض فإنّه شكلٌ من أشكال العنف الجنسي التي قد تؤدّي إلى جرائم أكبر وأخطر أهمّها الاغتصاب.

ثالثًا: موقف الإسلام من التحرّش

لم يُذكر في نصٍّ من النصوص الإسلاميّة الأساسيّة (القرآن والأحاديث النبويّة) التحرّش صراحةً، بل يُشار إلى الأفعال الدالّة دلالات جنسيّة بأحد اللفظين “الزنا” أو “الفاحشة”.

وجاءت الآية الكريمة “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُم4 شاملةً لكلّ القواعد اللازمة في هذا الشأن، حيث تأمر المؤمنين بصرف النظر عن كلّ ما هو حرامٌ عليهم، وأن يستروا عوراتهم المُشار إليها بعبارة يحفظوا فروجهموقد ذكر القرطبي5 أنّ في هذه الآية سبع مسائل، آخرها تهديد ووعيد من الله لمن يخالف تلك القواعد.

وهذه المسائل أي المعاني السبعة المتضمّنة في الآية السابقةصعبة الفهم على عامّة الناس، فمن منهم يظنّ أنّ آيةً واحدة فيها من الأوامر والنواهي سبع مسائل إحداها تضمّ عشرة شروطٍ لدخول الحمّام العامّ!

لذا فإنّ النصّ الإسلامي الأكثر شيوعًا في هذا المجال هو الحديث النبويّ العين تزني وزناها النظر اليد تزني وزناها اللمس6 وفي هذا الحديث تحذيرٌ شديد اللهجة ومباشرٌ بلا مواربة عن التحريم الشديد لتصرّفاتٍ نصنّفها اليوم في باب التحرّش وهي النظر واللمس.

ودومًا ما كان العلماء يذكرون الآية السابقة يتبعها هذا الحديث7، ويشرعون في التحذير من عقوبة الزاني وأنّ النظرة واللمسة هي لونٌ من ألوان الزنا، وهذا بالضبط ما أفقد الأمر مغزاه، وجعل الكلام كأنّه هباءٌ منثورٌ، فالشابّ والشابّة لا يقتنعان بأنّ النظرة كالزنا، فالزنا شيءٌ عظيم تلزم إقامة الحدّ فيه أربعة شهود ويستوجب عقوبةً هي الأقسى من بين كلّ العقوبات، فهل يُعقل أنّ تكون النظرة زنا؟! لا؟ إذًا هذا مبالغةٌ من رجل دين متزمّت ولنضرب به عرض الحائط.

إلا أنّ النصوص الإسلاميّة تحوي أيضًا ما هو أقلّ وطأةً وأقرب للفهم، وهو الوارد في الحديث الطويل8 الذي يحكي قصّة شابٍ أتى يستأذن الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالزنا، فأجابه “أتحبّه لأختك؟ أتحبّه لأمّك؟ ..” وكان أن اقتنع الشاب في النهاية باجتناب الزنا، وذلك من باب أنّ هذا يؤذي الطرف الآخر، وتُعدّ هذه أوّل إشارةٍ إلى الأذى الذي يقع على الطرف الآخر جرّاء الزنا، ولا يركّز على العقوبة القاسية التي سيتلقّاها الزاني.

رغم أنّ هذا الأسلوب قد نفع مع الشابّ المذكور بالقصّة، إلا أنّ قليلًا جدًّا من الناس من يمتنع عن التحرّش بسبب ما سيخلّف من أثرٍ سيّئ على حياة الطرف الآخر، فنرى من خلال ما سبق أنّ العقوبات القاسية هي الرادع الأكبر.

الباب الخامس: الخاتمة

أوّلًا: الدراسات السابقة

1- العوامل المؤدية إلى ظاهرة التحرّش الجنسي ودور الخدمة الاجتماعية في التعامل معها.9

دراسة مطبقة على طالبات الفرقة الرابعة بجامعة الفيوم

إعداد الدكتور محمود فتحي محمد عام 2010

الأستاذ المساعد بقسم مجالات الخدمة الاجتماعية – كلية الخدمة الاجتماعية – جامعة الفيوم

2- حماية المرأة العاملة من جريمة التحرش الجنسي في التشريع الجزائر.10

أسباب وخلفيات ظاهرة التحرش الجنسي، وسبل مواجهتها

حنان صولي – الحوار المتمدن 2018

3- مجموعة من الدراسات أجرتها مبادرة “خريطة التحرّش” بين 2014 و 2018 في مصر.11

ثانيًا: المبادرات المجتمعيّة ضدّ التحرّش

1- “ممكن أديكي وردة” نظّمتها حركة “لسه بشر” الشبابية بهدف رسم الابتسامة على وجوه الفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش الجنسي. عام 2015 مصر، القاهرة.12

2- “متعقب التحرش” التي تدعو ضحايا التحرش إلى الإبلاغ عما يتعرضن له. عام 2016 لبنان.13

3- “فنجان قهوة” التوعية والتعريف بالتحرش الجنسي. 2018 سوريا.14

ثالثًا: التوصيات

وجدنا من خلال بحثنا ومن خلال الدراسات السابقة المشابهة ومن خلال التقارير العالمية حول معدلات التحرّش والعنف الجنسي والاغتصاب والعنف الأسري والعنف ضدّ المرأة والعنف ضدّ الأطفال أنّه لا بيئة ولا مجتمع ولا دولة محصّنة ضدّ هذه الظواهر المترابطة ببعضها ترابطًا وثيقًا، فمن الدول المنغلقة والمتشدّدة أو الملتزمة دينيًا كإيران والسعوديّة وأفغانستان ومصر وحتّى أكثر الدول انفتاحًا وإباحيّة كألمانيا وبلجيكا وكندا والولايات المتّحدة نشاهد معدّلاتٍ عالية من التحرّش أو الاغتصاب، ومن الدول ذات الأنظمة التعليميّة المتطوّرة كأستراليا وفرنسا أو تلك النامية كالهند والمكسيك أيضًا نشاهد معدّلات عالية من الاغتصاب والتحرّش والعنف ضدّ المرأة.

ورغم أنّ معظم دول العالم أو كلّها لديها قوانين صارمة تجاه التحرّش خاصّة أولئك المتحرّشين بالأطفال، وجميع الديانات والفلسفات على حدٍّ سواء تحرّم الأفعال التي نصنّفها اليوم على أنّها شكلٌ من أشكال التحرّش، ما زال التحرّش وتوابعه يقضّ مضاجع الأمم.

فالأديان تعجز عن الردع لأنّ الحساب في الغالب يكون وعيدًا في الحياة الآخرة ما بعد الموت، والقوانين الوضعيّة تعجز عمليًا عن إيقاف هذه الظاهرة إلا أنّها الأكثر نجاحًا في الحدّ من تفشّيها أكثر وأكثر.

وبالنظر إلى نتائج الأبحاث والدراسات العلميّة الكثيرة في مجال الوراثة والجينات، والتي تكتشف يومًا بعد يوم أثر الجينات التي نحملها في خلايانا على حياتنا اليومية فهي لم تعد مسؤولةً عن لون الشعر والعيون والجلد فحسب بل أكثر من ذلك بكثير، فهي المسؤولة بالإضافة إلى جميع صفاتنا الجسديّة عن الصفات النفسيّة ومزاجنا ومنطقنا وذكائنا وطريقة إصابتنا بالأمراض وطريقة تعافينا منها والوقت المنقضي قبل تلف خلايا دماغنا وإصابتنا بالزهايمر وربّما تلك الجينات أيضًا مبرمجةً بالطريقة التي ستنتهي بها حياتنا، ومثل ما وجد العلماء الجين المسؤول عن مرض السكر والجين المسؤول عن مرض الزهايمر قد يجدون جين الخلود.

وبشكلٍ مشابهٍ لما اكتُشِف في هذا الميدان عن أسبابٍ جينيّة للمثليّة الجنسيّة التي نشعر بالقرف والاشمئزاز عند الحديث عنها، والتي تنصّ أغلب الأديان والثقافات والفلسفات عل كوكب الأرض بحرمانيّتها ووجودب معاقبة من يمارسها، فقد تبيّن أنّ جينات أولئك الشواذّ هي المجرم الحقيقيّ وما هم إلا وعاء لها، ويجب معاملتهم كأنّهم بشرٌ طبيعيّون يعانون من مرضٍ ما كالسكري مثلًا.

قد يكتشف العلماء يومًا ما أنّ سبب التحرّش يعود لبقايا الجينات التي كانت فيما مضى تهيّئ الإنسان لموسم التزاوج الذي يحتاج فيه البحث عن شريك، كما يفعل الطاووس الذي يتحرّش بإناث نوعه بواسطة ريشه أو الفيل الذي يرتكب مجازر بأخيه الفيل الذي ينافسه على إناث نوعه.

وحتى يأتي ذلك اليوم الذي نستأصل فيه الجين الخبيث علينا التعامل مع موضوع التحرّش على أنّه حدثٌ يجب التعامل مع نتائجه وليس مع أسبابه، لأنّ التعامل مع الأسباب حتّى الآن قد فشل، فلا المناهج الدراسيّة ولا التوعية المجتمعيّة ولا الوعيد الديني قد منع المتحرّش من تنفيذ تحرّشه، وفقط قوانين صارمة وعقوباتٍ قاسية هي ما منع أو خفّف من تلك الحوادث.

 

المراجع

1لجنة الولايات المتحدة الأمريكية لحقوق العمل https://goo.gl/Fsw4N9

2ما هو التحرش الجنسي، موقع خريطة التحرش الجنسي https://goo.gl/WCKtHz

3دراسة إحصائية حول التحرّش الجنسي، http://bit.ly/2pkxKLt

4سورة النور، الآية 30 https://goo.gl/ZS3FYZ

5تفسير القرطبي https://goo.gl/c6Hhvb

6حديث حسن، المصنف أبو القاسم بن بشران https://goo.gl/mWym6a

7خطبة للشيخ هاني الحلمي http://bit.ly/2OIOOWQ

8مقال: يا رسول الله ائذن لي، https://goo.gl/6zdRG3

9المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية – جامعة الفيوم https://goo.gl/MJdo3g

10الحوار المتمدن https://goo.gl/CBP3Bb

11خريطة التحرش https://goo.gl/4NavaE

12صوت ألمانيا دوتشيه فيليه https://goo.gl/bWh8Gr

13جريدة الحياة https://goo.gl/VUs5Up

14سناك سوري https://goo.gl/iXv6nv

 

راغب بكريش

ragheb@raghebnotes.com

 

الوسوم

اترك تعليقاً

إغلاق