الرئيسية / مقالاتي / سبب تقسيم اليوم إلى 24 ساعة والساعة إلى 60 دقيقة

سبب تقسيم اليوم إلى 24 ساعة والساعة إلى 60 دقيقة

لا تقتصر سرديّات وأساطير الشعوب على نَسْبِ أكبر عددٍ من أعلام البشريّة وعلمائها إلى القبيلة أو الحضارة أو المنطقة الجغرافيّة التي ينحدر منها المتحدّث، بل تعدّى ذلك إلى نَسْبِ ما تيسّر لهم من الاختراعات مجهولة النَسَب، أو المفاهيم التي تشكّلت بسبب التراكم الثقافي والمعرفي عند البشر.

أكادُ أجزم أنّك لو سألتَ أيّ سؤال في بالك حتّى لو وُلِد في هذه اللحظة فإنّ الإجابات ستأتيك من مختلف الثقافات والتوجّهات بما يتناسب مع تلك الثقافة ويتماشى ويكمل أساطيرها ومرويّاتها، وقد أجريتُ تجربة بأن طرحتُ سؤالاً في أحد مواقع الأسئلة العامّة هو: “من اخترع العَلَم؟” فكانت الإجابات كما توقّعتُ، منهم من نَسَب الاختراع إلى الصينين ومنهم إلى الفرس ومنهم إلى الإغريق ومنهم إلى السومريين ومنهم إلى الفايكينغ، ولكلّ رواية تفنيداتها، بالإضافة إلى نسبة الاختراع لأشخاص بعينهم كالنبيّ إسماعيل عليه السلام والشخصيّة الشهيرة في التراث الإسلامي “ذي القرنين” والاسكندر المقدوني …

ولنأتي إلى موضوع الساعة، فقد لفتَ نظري منشور على فيسبوك يستنكر الظنّ بأنّ من قسّم اليوم إلى 24 ساعة هو الغرب وينسب هذا التقسيم إلى العرب مسمّياً كلّ ساعة من ساعات اليوم التي قسمها مناصفةً بين الليل والنهار باسمٍ عربيٍّ فصيحٍ قديم، منها ما هو غريبٌ عن العامّة والمثقّفين كالسُدفة والبُهرة ومنها ما هو متداول كالفجر والظهيرة. جاعلاً هذه  الأسماء دليلاً على ابتداء هذا الاصطلاح من عند العرب.

من أهمّ المغالطات في السرديّة العربيّة أنّها تفترض أنّ الليل والنهار متساويان دوماً، ثمّ إنّ وجود أسماء للساعات لا يعني أبداً أنّ هذه الساعات من اختراع العرب، فقد اعتاد العرب على تسمية كلّ شيء فهناك زهاء ألف اسمٍ للإبل، ولنتابع في سرديّات الساعات، حيث تقول السرديّة الثانية إنّ مَنْ قسّم اليوم هو النبيّ نوح عليه السلام لأنّه حين كان في السفينة مع قومه لم يكن لديهم القدرة على التمييز بين الليل والنهار بسبب الغيوم فابتكر هذه التقسيمات، لكن كيف استطاعوا ضبط الوقت لا أحد يعلم.

سرديّة الأبراج تقول بما أنّ عدد الأبراج اثنا عشر برجاً، والنجوم (التي تشكّل الأبراج) تظهر ليلاً، فلنقسّم الليل إلى 12 قسماً متساوياً، ومثلها للنهار ليصبح المجموع 24 ساعة، وبما أنّ عدد الآلهة (وهي الكواكب المعروفة في ذاك الوقت) خمسة، فإنّ ناتج ضرب عدد الأبراج بعدد الآلهة يساوي 60 فسوف نقسم الساعة إلى 60 قسماً متساوياً.

أمّا السرديّة الأكثر ترابطاً ومنطقيّةً هي التي رُويَت عن السومريّين أصحاب أقدم حضارة معروفة، وتقول ببساطة إنّ عدد السلاميّات في كل إصبع من أصابع اليدين (عدا الإبهام لأنّه سيُستخدَم كمؤشّر للعدّ) هو ثلاثة، ومنه فإنّ كلّ يد تحوي 3×4 سلاميّة، أي 12 سلامية، هي عدد ساعات كلّ من الليل والنهار، وإن تابعنا في سلسلة الضرب، 3×4×5 سينتج 60 هو عدد أقسام الساعة، ولنتابع أكثر مع السلسلة السحرية، 3×4×5×6 سينتج 360 هو عدد درجات الدائرة التي ستُستَخدم كثيراً في علم المثلثات والهندسة والعمارة فيما بعد، كما سيكون عدد أيام السنة 360 يوم هي أيّام الأشهر إضافة لخمسة أيام هي أيّام الفرح أو أيّام الحزن حسب الحضارة.

أمّا لماذا وصفتُ سرديّة السومريّين بإنّها الأكثر منطقيّة، فالسبب رياضيٌّ بحت، تُعدّ هذه الفرضيّة الفرضيّة الأمثل عدديّاً لأنّ العدد 12 هو أصغر عدد يقبل القسمة على (1,2,3,4,6,12) معاً أي يمكن أن نجعله نصفين أو أرباع أو أثلاث أو أسداس دون صعوبة، ولهذا السبب بالضبط جُعِلت الدزّينة من 12 قطعة وليس من 10 قطع. وكذلك فإنّ العدد 60 هو من أكثر الأعداد امتلاكاً للقواسم ممّا جعله مثاليّاً ليكون عدد الدقائق وعدد الثواني وأساساً لنظام العدّ الستيني ولقياس درجات الدائرة.

لكن يمكن أن نسأل، هل كان السومريّون بهذه الخبرة الرياضيّة حتّى يختاروا هذا الرقم دون غيره، فالأقرب للنظر هو الرقم 10 لأنّه عدد الأصابع أو 5 عدد أصابع اليد الواحدة، أو 20 عدد أصابع اليدين والقدمين، وجميع هذه الاحتمالات أقرب للملاحظة من عدد سلاميّات الأصابع خصوصاً وأنّهم تجاهلوا سلاميّتي الإبهام، برأييّ إنّه ليس من المطلوب أن تكون لديهم خبرة رياضيّة لأنّ الحاجة للقسمة في البيع والشراء والمقايضات وتقسيم الأراضي وبناء الأبنية وشق الطرقات إلى آخر تلك الأمور الضروريّة هي ما ولّد الحاجة لابتكار نظام عدديّ يحلّ هذه الإشكاليّات وعليه فإنّ النظام العدديّ المطلوب يجب أن لا يخلق إشكاليّات جديدة ومن إشكاليّات العدد 10 أنه لا يمكن تقسيمه إلى أربعة أقسام صحيحة متساوية، أمّا بشأن سلاميتيّ الإبهام، أظنّ أنّ طريقة الإشارة بالإبهام إلى أجزاء الأصابع (كما يفعل المسلمون في تسبيحات ما بعد الصلاة) هي ما ولّد فكرة التقسيم ذي الاثني عشر قسماً، أي أنّ الإبهام هو المفتاح لهذه الفكرة.

نُشرت هذه التدوينة في مدوّنات الجزيرة بتاريخ 29 آب 2017

 

اترك تعليقاً