عندما تكون “الابتسامة” للكاميرا ثغرة برمجية قاتلة
صورة دعائية تسبّب تعطيل البرنامج النووي
في عالم الرياضيات، نحن نعشق “المعطيات”. فلكي تحل أي معادلة، أنت بحاجة إلى طرف خيط. لكن في عالم الاستخبارات الحديثة، طرف الخيط هذا قد يكون مجرد “بكسل” زائد في صورة التقطها مصور “متحمس” لم يدرك أنه بضغطة زر واحدة، كان يكتب السطور الأولى في شهادة وفاة آلاف أجهزة الطرد المركزي!
المعادلة الصعبة: دعاية سياسية + جهل تقني = كارثة سيبرانية
في عام 2008، زار الرئيس الإيراني آنذاك أحمدي نجاد منشأة نطنز. كان الهدف “بروباغندا” دعائية لإظهار القوة والتحدي. نُشرت صور احترافية، عالية الدقة، لعلماء يرتدون معاطف بيضاء وشاشات تلمع بخطوط خضراء.
لكن، بالنسبة لخبراء الموساد ووكالة الأمن القومي الأمريكي، لم تكن هذه مجرد صور لرئيس يفتخر بمنشأته؛ كانت “كتيب تعليمات” (Manual) مجانياً!
- الوجوه المكشوفة: في الرياضيات، إذا عرفت أحد المتغيرات، سيسهل عليك حل المعادلات، الصور كشفت وجوه العلماء بوضوح، مما سمح برصدهم وتعقب مساراتهم الأكاديمية، بل وتسهيل استهدافهم لاحقاً.
- شاشات التحكم (SCADA): هذه كانت “الهفوة” الكبرى. إحدى الصور أظهرت واجهة نظام التحكم الصناعي. ومن خلال تحليل نمط الأضواء والبيانات الظاهرة، عرف المهاجمون أن المنشأة تستخدم نظام Siemens Step7.
من الصورة إلى “ستوكسنت” (Stuxnet)
هنا يأتي دور البرمجة في جانبها المظلم. بناءً على تلك الصور، صُمِم فايروس “ستوكسنت”. لم يكن فايروساً عشوائياً، بل كان “قناصاً” مبرمجاً بدقة متناهية.
المعلومات التي استُخرجت من الصور ساعدت في برمجة الفايروس ليعرف متى يرفع سرعة دوران أجهزة الطرد المركزي إلى حد الانفجار، ومتى يبطئها، مع تزييف البيانات التي تظهر للمراقبين البشريين ليظنوا أن كل شيء يسير وفق الخطة!

كي لا نبالغ، الصورة أحد الجنود في فيالق الاستخبارات
الصورة أظهرت أرقامًا تسلسلية لأجهزة حواسيب، عرفت الاستخبارات الإسرائيلية أنها من إنتاج شركة كورية، فزرعت المخابرات الإسرائيلية الفايروس في 10 ملايين جهاز جديد أنتجته تلك الشركة، بانتظار أن يدخل جهاز واحد فقط إلى المنشأة المعزولة عن العالم، وهذا ما حدث.
العملية مليئة بالتفاصيل التقنية والاستخباراتية، عملاء على الأرض ساهموا بشكل جوهري، وشركات غربية استخدمت كحصان طروادة لتنفيذ بعض أجزاء الاختراق، شارك في العملية مئات أو آلاف الموظفين وتكلّف هذا الفايروس 100 مليون دولار (الفيروس الأعلى كلفة في التاريخ) وكلّف البعض حياتهم، على سبيل المثال لا الحصر، مهندس هولندي شارك في تركيب أنظمة تبريد لمنشأة نطنز قُتِل بحادث دراجة نارية غامض!
النتيجة؟ تعطل نحو 1000 جهاز طرد مركزي، وتأخر البرنامج النووي سنوات (سنتين إلى 3 سنوات بحسب اختلاف التقديرات)، وكل ذلك بسبب صورة كان من المفترض أن تكون مجرد خبر في الصفحة الأولى.
أُنتِجت أفلام وثائقية وبرامج استقصائية وكُتبِت العديد من الكتب بعد هذه العملية، وأصبحت الصورة أحد أهم الأمثلة التي تُدرّس في جامعات العالم في مجال الأمن والاستخبارات.
وهذه بعض الفيديوهات عنها




