المطبلون الجدد كظاهرة لغوية وإعلامية
دراسة في تضخيم الخطاب وصناعة وهم التوازن
طارق صوتي
معهد الصوت المكرّر
بيروت – 2024
الملخّص
تتناول هذه الدراسة ظاهرة “المطبلين الجدد” بوصفها نمطًا لغويًا وإعلاميًا مستجدًا، لا يقتصر على المديح السياسي التقليدي، بل يتجاوز ذلك إلى إنتاج خطاب عالي الكثافة الصوتية، منخفض الحمولة المعرفية، يهدف إلى خلق انطباع زائف بالتوازن والشرعية.
تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن ارتفاع الصوت، وتكرار العبارات، وتبديل النبرة، يمكن أن يؤدّي وظيفة رمزية تعويضية، بحيث يُغني عن وجود موقف فعلي أو مضمون سياسي واضح. تعتمد الدراسة على تحليل لغوي–خطابي لعينة من البرامج الحوارية، والخطابات الإعلامية، ومنصّات التواصل الاجتماعي، وتخلص إلى أن “الطبل” لم يعد أداة دعم، بل أصبح بحد ذاته خطابًا قائمًا بذاته.
الكلمات المفتاحية:
الطبل السياسي – الخطاب الصوتي – الإعلام – الشعبوية – التكرار – وهم التوازن – اللغة الدعائية
1. المقدّمة
شهد الخطاب السياسي والإعلامي العربي خلال العقد الأخير تحوّلًا ملحوظًا في آليات التأثير، حيث لم يعد المضمون هو العامل الحاسم في تشكيل الرأي العام، بل بات للصوت، والإيقاع، والتكرار دور مركزي في توجيه الانتباه وبناء الانطباعات.
في هذا السياق، برزت فئة جديدة من الفاعلين الإعلاميين يمكن توصيفهم بـ”المطبلين الجدد”، وهم لا يكتفون بتأييد موقف أو سلطة، بل يعملون على إعادة إنتاج الخطاب ذاته بصيغة احتفالية مستمرة، تُغني عن النقاش وتُضعف إمكانية المساءلة.
2. إشكالية الدراسة
تسعى هذه الدراسة للإجابة عن السؤال الآتي:
- كيف تحوّل الطبل من أداة دعم ظرفية إلى ظاهرة لغوية–إعلامية تُنتج وهم التوازن والشرعية؟
وينبثق عن هذا السؤال عدد من التساؤلات الفرعية:
- ما الخصائص اللغوية لخطاب المطبلين الجدد؟
- كيف يؤثّر الصوت العالي على إدراك الجمهور للحياد والموضوعية؟
- ما العلاقة بين كثافة الخطاب الصوتي وغياب الموقف السياسي الواضح؟
3. الإطار النظري
تعتمد الدراسة على تقاطع ثلاثة حقول معرفية:
3.1 اللسانيات التداولية
تُستخدم لفهم كيف تؤدّي النبرة، والتكرار، وضمير الجمع، وظائف تتجاوز المعنى الحرفي للكلمات.
3.2 دراسات الإعلام
لا سيما مفاهيم “الإشباع الصوتي” و”الضجيج المعلوماتي”، حيث يُنتج الفيض الصوتي حالة من الإرباك بدل التنوير.
3.3 نظرية الخطاب السلطوي
التي ترى أن السلطة لا تُمارَس فقط عبر القرار، بل عبر التحكم بإيقاع الكلام وحدّته.
4. تعريف المطبلين الجدد
تُعرّف الدراسة “المطبلين الجدد” بأنهم:
فاعلون إعلاميون أو ثقافيون يستخدمون الصوت، والتكرار، والاصطفاف اللفظي، لإنتاج شعور بالاتساق واليقين، دون تقديم مضمون تحليلي قابل للنقاش.
ويتميّزون عن المطبلين التقليديين في أنهم:
- يدّعون الاستقلالية.
- يغيّرون مواقعهم الخطابية بسرعة.
- يستخدمون لغة “نحن” بدل المواقف المحدّدة.
5. الخصائص اللغوية للظاهرة
من خلال تحليل عيّنة من 250 ساعة بث إعلامي، رُصدت الخصائص التالية:
- ارتفاع حدّة الصوت عند غياب الحجة.
- تكرار العبارات العامة مثل:
“نحن مع الحق”، “المصلحة الوطنية أولًا”. - الانتقال السريع بين المواقف دون إعلان التراجع.
- استخدام ضمير الجمع لإضفاء شرعية وهمية.
6. الطبل كبديل عن العصا
تُظهر الدراسة أن الطبل في كثير من السياقات يؤدي وظيفة مماثلة للعصا الرمزية:
- العصا تُلوَّح.
- الطبل يُقرَع.
وفي الحالتين، لا يكون الهدف الفعل، بل منع الآخرين من التفكير في الفعل.
وبذلك، يمكن للصوت العالي أن يخلق إحساسًا بالتوازن حتى في غياب أي توازن فعلي.
7. نتائج الدراسة
توصّلت الدراسة إلى النتائج التالية:
- الطبل خطاب تعويضي يُستخدم حين يغيب الموقف.
- كثافة الصوت لا تعكس قوة الحجة بل غالبًا ضعفها.
- وهم التوازن يُنتَج لغويًا قبل أن يكون سياسيًا.
- المطبلون الجدد يساهمون في تثبيت المنطقة الرمادية بدل تفكيكها.
8. الخاتمة
تبيّن هذه الدراسة أن ظاهرة المطبلين الجدد ليست مجرّد سلوك إعلامي طارئ، بل نمطًا لغويًا متكاملًا يعكس تحوّلًا أعمق في بنية الخطاب العام. فحين يصبح الصوت بديلًا عن المعنى، ويغدو التكرار أداة شرعنة، يُفرَّغ النقاش السياسي من محتواه، ويُستبدل بالإيقاع.
إن الطبل، في صورته الجديدة، لا يعلن موقفًا، بل يُخفي غيابه، ويمنح الجمهور إحساسًا زائفًا بالاستقرار والتوازن، في حين يبقى الجوهر معلّقًا بلا حسم.
المراجع
- صوتي، طارق. (2024). المطبلون الجدد كظاهرة لغوية وإعلامية. معهد الصوت المكرّر، بيروت.
- Fairclough, N. (1995). Media Discourse. London: Edward Arnold.
- Chomsky, N. (1988). Manufacturing Consent. New York: Pantheon.




