الرئيسية / ملحوظات متنوعة / ملحوظات سياسية / أردوغان لم يرضخ.. وبوتين لم يتراجع

أردوغان لم يرضخ.. وبوتين لم يتراجع

عبد القادر عبداللي – جريدة المدن 

أردوغان لم يرضخ.. وبوتين لم يتراجع

شطح خيال الكتاب الممانعين كثيراً قبل زيارة رجب طيب أردوغان، إلى روسيا، واتفقت أحلامهم جمعياً على أن هذه الزيارة ستكون مفصلية بالنسبة إلى القضية السورية. بالطبع هي مفصلية لصالح حلف “الممانعة”، فكانت الكرات الزجاجية التي تُريهم المستقبل تشير بوضوح تام إلى أن الرئيس التركي لم يعد لديه خيار سوى إعلان الانسحاب من القضية السورية، وتسليمها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. مدونة ملحوظة 

بعضهم تمادى أكثر من ذلك، فاعتبر أن اللقاء التالي للرئيس التركي بعد بوتين سيكون مع الأسد. حتى إن هناك عدداً من المواقع الإخبارية الممانعة ألّفت تصريحاً للرئيس التركي نسبته إلى جريدة صباح التركية قال فيه: “الأسد أدان الانقلاب”.

ولعل بورصة الأخبار الملفقة وصلت إلى الذروة باعتبار أن روسيا هي التي أبلغت أردوغان بالانقلاب الفاشل، وأنقذته. وعلى الرغم من تكذيب الطرفين، الروسي والتركي، لهذا الخبر، أصرت “الممانعة” عليه لأنه المستند الوحيد الذي يمكن للكتاب أن يعتمدوه، لتقديم رؤية استسلام الرئيس التركي للسياسة الروسية باعتبارها رداً للجميل بإنقاذه.

على الطرف الآخر، ارتفعت حرارة التوقعات بإحداث خرق في الموقف الروسي، خاصة بعد النجاح الذي حققته المعارضة السورية جنوبي حلب، وفكها الحصار عن حوالي 400 ألف نسمة في حلب الشرقية، والاستعداد لمراحل جديدة من العملية العسكرية. وهذه ورقة مهمة حملها الرئيس التركي معه إلى سان بطرسبورغ.

صحيح أن الرئيس التركي أردوغان صرّح قبل ذهابه إلى روسيا بأن القضية السورية ستكون على رأس جدول أعمال اجتماعه مع الرئيس بوتين، ولكن الوفد الذي رافقه كان اقتصادياً بامتياز، ولولا التحاق رئيس تشكيلات المخابرات القومية هاقان فدان المفاجئ بالوفد لقلنا إن الزيارة ستكون اقتصادية مطلقة.

لم يكمل توتر العلاقات التركية-الروسية عامه، بينما القضية السورية أكملت خمسة أعوام ونصف، وفي الفترة التي سبقت إسقاط سلاح الجو التركي الطائرة الروسية حين خرقت الأجواء التركية كانت العلاقات التركية-الروسية في أفضل حال، وعلى الرغم من هذا لم يستطع الطرفان تحقيق أي خرق في هذه القضية على مدى أربع سنوات ونصف قبل الأزمة بين البلدين، فما الجديد الذي يدفع إلى التفاؤل بالتوصل إلى حل ما، لصالح النظام السوري أو المعارضة؟

في الحقيقة أنه ليس هناك أية مؤشرات تدفع إلى التفاؤل، ولعل هذا ما جعل غالبية الكتاب يعتمدون على الكهانة والنبوءة بدلاً من الاعتماد على المعطيات.

لقد كانت القضية السورية بالفعل هي المادة الرئيسة على جدول أعمال اجتماع سان بطرسبورغ بين الرئيسين التركي والروسي. وما يدلل على ذلك هو عقد الرئيسين اجتماعاً خاصاً بها دام ساعتين، وفي المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان بعد الاجتماعات، أجاب الرئيس الروسي حول ما إذا كان قد تم التوصل إلى اتفاق حول حل للقضية السورية بعبارة تبدو نوعاً من الفنتازيا، وهي: “من أجل بناء سوريا ديموقراطية لابد من حل ديموقراطي”. وبالطبع لا يحتاج الأمر إلى كهانة لمعرفة أن الحل الديموقراطي الذي تنشده روسيا يتجلى بإقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات. وإذا كان الرئيس الروسي قد تجنب القول إن هذه الانتخابات ستكون بإشراف النظام الحالي أو نسخة معدلة منه، فلعله لم يقلها من أجل ألا يوتر الأجواء الودية التي بذلت الجهود لإضفائها على الاجتماعات.

ولكن هل رضخت تركيا للمطالب الروسية؟ لقد أجاب الرئيس الروسي نفسه أيضاً على هذا السؤال من خلال عبارته التي قالها في المؤتمر الصحافي: “لا نستطيع أن نكون متفقين بالرأي في كل المواضيع المتعلقة بسوريا”. هذا يعني أن الخلاف ما زال مستمراً. ولكن بوتين في الوقت ذاته لم يغلق الباب تماماً، وأكد على ضرورة عقد اجتماعات أخرى لمناقشة هذا الموضوع أكثر، وهذه المناقشات ستكون على مستويات أخرى. وهذه المستويات هي المخابرات والخارجية.

على الرغم من تفاؤل المعارضة السورية بالتصفيات التي تمت في الجيش التركي بعد الانقلاب العسكري الفاشل، وتحميل الضباط الانقلابيين وزر عدم تسليح المعارضة السورية، فإن هذه الادعاءات لا تعتمد على معطيات صحيحة، وهي تشبه ادعاءات الممانعين بأن أردوغان سيستسلم لبوتين في سان بطرسبورغ. فالملف السوري بيد تشكيلات المخابرات القومية (التركية) منذ البداية، وشاحنات العتاد التي قيل إنها تتجه إلى شمال اللاذقية وأوقفها الدرك التركي قبل أكثر من سنتين كانت تحمل أوراقَ مهمةٍ من المخابرات. والمخابرات التركية هي المؤسسة الأقل اختراقاً من الانقلابيين، لذلك تم استهدافها، وقصفها.

بمعنى آخر، إذا كان هناك تغيير بالسياسة التركية تجاه القضية السورية، فلا علاقة له بالتصفيات التي حدثت في الجيش التركي بعد العملية الانقلابية الفاشلة.

بترحيل القضية السورية لأصحاب الاختصاص خاب أمل المتفائلين على الضفتين، فلا أدروغان استسلم، ولا بوتين تراجع عن موقفه كما يبدو، ولكن تشكيل لجان للمتابعة يعني أيضاً أن الطرفين سيستمران بالتنافس على الأرض بانتظار تغيير ما في التوازنات من أجل تحقيق خرق ما في المواقف. مدونة ملحوظة 

المصدر المدن 

 

اترك تعليقاً